مفيد خطار *
المِيلادُ…
سِرٌّ لَا يُفَسَّرُ،
لَكِنَّهُ يُحَسُّ وَيُرَى بِالْقَلْبِ،
فِي كُلِّ شَجَرَةٍ تَنْحَنِي لِلنَّسِيمِ،
فِي كُلِّ نَهْرٍ يَجْرِي بِلَا تَوَقُّفٍ،
فِي كُلِّ نَجْمَةٍ تَلْمَعُ فِي اللَّيْلِ،
فِي كُلِّ زَهْرَةٍ تَتَفَتَّحُ فِي الصَّبَاحِ.
وَيُولَدُ كُلَّ يَوْمٍ، فِي كُلِّ لَحْظَةٍ،
فِينَا… وَفِي كُلِّ مَنْ يَفْتَحُ قَلْبَهُ لِلسِّرِّ الْأَبَدِيِّ،
حَيْثُ يَصِيرُ الْعَالَمُ كُلُّهُ مِذْوَدًا،
وَيَصِيرُ الْإِنْسَانُ نَفْسُهُ نُورًا، وَمَغَارَةً، وَحُبًّا…
وَلَكِن…
أَيْنَ هُوَ الطِّفْلُ وَمِيلَادُهُ فِي مَغَاوِرِنَا الْكَثِيرَةِ،
فِي أَعْمَاقِ نُفُوسِنَا الَّتِي تَبْقَى فَارِغَةً
إِلَّا مِنَ الحِقْدِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالتَّزَلُّفِ وَالْبُغْضِ وَالانْغِلَاقِ؟
كَمْ نَحْتَاجُ إِلَى مِيلَادٍ آخَرَ،
مِيلَادٍ يَكُونُ فِيهِ قَلبُنا، بَيْتُ لَحْمِنَا ـ بَيْتُ الْخُبْزِ ـ
مَغَارَةً جَدِيدَةً لِلطِّفْلِ.
فَتَتَحَوَّلُ مَغَاوِرُنَا مِنَ الحِقْدِ إِلَى الْمَحَبَّةِ،
وَمِنَ الْكِبْرِيَاءِ إِلَى التَّوَاضُعِ،
وَمِنْ رَغْبَةِ الْاِمْتِلَاكِ إِلَى نِعْمَةِ الْعَطَاءِ،
وَمِنْ بُرُودَتِهَا وَظُلْمَتِهَا إِلَى دِفْءِ حُضُورِهِ وَأَنْوَارِ رُوحِهِ.
عِنْدَمَا يُولَدُ الطِّفْلُ… نَمُوتُ نَحْنُ،
نَمُوتُ عَنْ أَنْفُسِنَا الْقَدِيمَةِ،
عَنْ أَحْلَامٍ تَشَقَّقَتْ، وَأَنَانِيَّةٍ تَجَذَّرَتْ.
فِي بُكَاءِ الطِّفْلِ صَرْخَةُ بَدَايَةٍ،
وَفِي صَمْتِنَا حُكْمُ نِهَايَةٍ.
لَكِنَّهُ لَيْسَ مَوْتًا يَسْبِينَا،
بَلْ فَنَاءٌ يُجَدِّدُنَا.
مَعَ كُلِّ وِلادَةٍ نُسَلِّمُ قِسْمًا مِنْ ذَوَاتِنَا،
لِنَسْمَحَ لِلنُّورِ أَنْ يَسْكُنَنَا،
وَلِنُصْبِحَ هَدَايَا بَعْضِنَا لِبَعْضٍ، نَحْمِلُ فِي قُلُوبِنَا النُّورَ وَالمَحَبَّةَ وَالْحَيَاةَ،
فَيُشِعُّ عَلَى مَنْ نُحِبُّ، وَيَصِلُ إِلَى مَنْ يَحْتَاجُهُ.
فَالْوِلادَةُ وَالْمَوْتُ وَجْهَانِ لِسِرٍّ وَاحِدٍ:
سِرِّ الحَيَاةِ الَّتِي لَا تُدْرَكُ
إِلَّا عِنْدَمَا نَخْتَارُ أَنْ نَمُوتَ لِنَحْيَا…
نَحْيَا مَعَهُ مِنْ جَدِيدٍ.
فَنُعِيدُ رَسْمَ حَيَاتِنَا عَلَى ضَوْءِ مِيلَادِهِ،
وَنَقْرَأُ مَا مَضَى مِنْ عُمْرِنَا الْمَيِّتِ
فِي نُورِ الحَيَاةِ الَّتِي أَشْرَقَ بِهَا الطِّفْلُ
فِي مَغَارَةِ القَلْبِ.
المِيلَادُ لَيْسَ ذِكْرَى نَحْتَفِلُ بِهَا،
بَلْ حُضُورٌ دَائِمٌ فِي الذَّبِيحَةِ الإِلَهِيَّةِ.
نَجْمَتُهُ لَيْسَتْ حَجَرًا فِي سَمَاءٍ بَعِيدَةٍ،
بَلْ دَعْوَةً دَائِمَةً لِلبَحْثِ عَنِ المَلِكِ،
نَحْنُ فِي سُجُودٍ وَشُكْرٍ دَائِمٍ لِلطِّفْلِ،
وَهَدَايَانَا لَهُ: تَوَاضُعٌ، وَمَحَبَّةٌ،
وَطَلَبٌ صَادِقٌ
أَنْ يُنْقِذَ
«أَنَا الإِنْسَانَ» مِنْ «أَنَا الإِنْسَانِ».
وُلِدَ الرجاء ... هَلِّلُويَا.
خَرْبَشَاتُ طِفْلٍ – بِقَلَمِ الإِبْنِ الضَّالِّ … إِذَا تَابَ.











12/17/2025 - 06:24 AM





Comments