بقلم: ألفة السلامي
احتفل العالم في الرابع من الشهر الجاري باليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة. وأجمل ما قمت به هذا العام هو الاطلاع على كتاب "شريان الحياة: أم تبحث عن الأمل". وهو كتاب لـ "مينا هولاند"، يلقي الضوء على تجربتها في تربية ابنتها المريضة بشدة ومشاعرها الطبيعية شديدة الصدق والإيلام في الآن نفسه، في ضوء الوضع الذي يواجهه الكثيرون من الآباء والأمهات، وعلى الجوانب النفسية المعقدة التي تلعب دورًا فيه.
بالتأكيد يرغب ذوو الإعاقة وأسرهم في عيش حياة كاملة. لكن بدلاً من ذلك، يجبرون على النضال من أجل حقوقهم -البسيطة أحيانا-في الطعام والاستحمام والحركة واللعب.
هل نفكر بما فيه الكفاية في الآباء الذين يعتنون بالأطفال المرضى أو ذوي الاحتياجات الخاصة وكيف لا نزيد الأمور صعوبة عليهم؟
هذه واحدة من رسائل هولاند في كتابها الذي يلفت أيضا نظر المجتمع لكيفية التصرف تجاه أهل المعاق بشكل بسيط ودون تكلف. هولاند هي موظفة سابقة في صحيفة الغارديان البريطانية. صدر حديثًا كتابها "شريان الحياة"، الذي يتناول قصة ابنتها فيدا، التي شُخّصت قبل بلوغها ستة أشهر بمتلازمة فقر الدم الماسي الأسود (DBAS)، وهو اضطراب دموي وراثي نادر. وتروي هولاند كيف اكتشفت أن طفلتها مريضة للغاية وتحتاج إلى عمليات نقل دم منتظمة للبقاء على قيد الحياة، ثم حملت بطفلها غابرييل، الذي تبين لاحقًا أنه متطابق مع أخته ويستطيع التبرع لها لزراعة نخاع العظم.
كتاب مينا هولاند دفعني للتفكير بشأن الأبوة والأمومة، خاصة آباء وأمهات الأطفال ذوي الإعاقة أو المرضى، الرضع والأطفال الذين لا يحققون مراحل نموهم الطبيعية أو الذين يحتاجون إلى علاج في المستشفى كما في حالة فيدا.
لكن ما لم أختبره من قبل هو التساؤل عن شعور وجود طفل رضيع أو طفل في المستشفى بينما يسير كل الآباء والامهات الآخرين بشكل اعتيادي دون إدراك حقيقي لمعنى أن يكون لديك طفل طبيعي وأقصى شيء يقومون به هو حمد لله على نعمه. بينما عليهم مسؤوليات أخرى أقلها ان يفهموا كيف يتصرفون مع أقاربهم أو جيرانهم أو زملاء أبنائهم من ذوي الإعاقة.
عندما نربي أطفالنا، لا ننتبه إلا لمعاناتنا رغم كونها عادية ولا نجلس في مقاعد الآباء والأمهات الذين يعانون حقا. إنهم قد لا يستطيعون أحيانا إجراء محادثات صريحة حول هذا الموضوع مع الأصدقاء والعائلة؛ فغالبًا ما يكون هناك تحفظ أو انزعاج عند الحديث عن الإعاقة والمرض. بينما يحاول أولياء أصحاب الإعاقة التغلب على مشاعر الحزن والغضب، وكما وصفتها هولاند "الظلم الفادح الذي يكتنف ظروفها".
تتحدث "أم فيدا" عن مشاعر إنسانية قد تنتابها في بعض الأحيان، فتقول: "بالتأكيد مررتُ بلحظات من المرارة والاستياء الشديد من أطفال الآخرين الأصحاء. زارتني بعض الصديقات مع أطفالهن الرضع في نفس عمر فيدا، وكانت إحداهن في كرسي هزاز، تقفز لأعلى ولأسفل وتصدر أصواتًا لطيفة، وردية اللون وجميلة، وأتذكر شعوري بالغضب الشديد". تريد هولاند هنا التأكيد على أن بعض الناس قد يكونون غير مبالين، لكنهم ليسوا سيئين أو قساة. وتروي كيف تشهد، على سبيل المثال، مواقف للأمهات على واتساب يتحدثن فيها عن مدى صعوبة التطعيمات الأولى للطفل، بينما تكون طفلتها قد خضعت بالفعل لمئات الوخزات بالإبر وغيرها من التدخلات الطبية؛ هذا مؤلم حقًا.
يتلقى آباء الأطفال ذوي الإعاقة يوميًا مواقف تذكرهم باختلافهم. أما الآباء الذين يمرون بظروف طبيعية، فيرغبون بطبيعة الحال في التباهي بإنجازات أطفالهم، دون إدراك أن تلك الخطوات الأولى، أو رسمة الطفل لأمه التي ينشرها بفخر، قد تُشعر صديقهم وكأن قلبه ينفطر. لشهور، كانت فيدا تعاني من قسطرة، مما منعها من السباحة أو الاستحمام. من السهل فهم شعور أم لطفل مصاب بمرض خطير عند رؤية صورة طفل آخر على الشاطئ. لا يتعلق الأمر بشعور الناس بعدم القدرة على المشاركة، بل بفهم مدى شعور الآباء بالعزلة في هذه الظروف، ومع الحرص على عدم الفظاظة، يجب إدراك أن التسبب في استياء الآخرين دون قصد لن يدوم. وهذا ما تسعى هولاند دائما لتعلمه مع لفت نظر الآخرين لصعوبته.
وتشير هولاند إلى إنها لاحظت أن تفاؤل الآخرين يزعجها، رغم أنها كانت بحاجة ماسة للأمل والتفاؤل. وتشعر أنه من الصعب جدًا أن يقول لها أحدهم الكلام المناسب.
ليس من المستغرب أن يجد آباء الأطفال المرضى عزاءً في مجتمعات تضم من يمرون بتجارب مماثلة، ممن يفهمون تفاصيل حالتهم لكن أصعب شيء التواجد في مجتمعات الأصحاء. وقد ساعدها الابتعاد عن وسائل التواصل الاجتماعي، والتركيز على تلك التجارب المشتركة، على تقبّل الأمر.
إذا كنتَ قريبًا من أحد والدي طفل مصاب بمرض خطير أو إعاقة، فقد يكفيك ببساطة أن تكون حاضرًا. وأن تُدرك أيضًا أن بعض المشاعر الصعبة التي يمرون بها طبيعية تمامًا.
إن تقبّل نسخة مختلفة جذريًا من الأبوة والأمومة عما كنت تتوقعه عملية مؤلمة. تقول هولاند: "لم يكن بوسع أحد أن يُسهّل عليّ تقبّل الأمر، لكن وجودهم بجانبنا، وإظهارهم اهتمامهم أمر يدعمني بشدة. وتعترف بأن الغضب قد يكون جزءا من هذه العملية، لكن هذا لا يعني أن أي والد يرعى طفلاً مريضًا أو من ذوي الاحتياجات الخاصة لا يحب ابنه أو ابنته المريضة بشكل أقل من أخوته الأصحاء. لطالما قالت والدتها لها عن احتياجات أخيها المعقدة، والتي تشمل التوحد والصرع: "لم أرغب قط في أي طفل آخر غير طفلي". وتكرر هولاند نفس عبارات والدتها وكيف تحب فيدا بتفان كأي أم تحب طفلها. وتضيف: "إن الطفرة الجينية لدى فيدا متأصلة فيها، ولو لم تكن لديها هذه الطفرة، لما كانت هي".
أخيرا، الكتابة حول الإعاقة ضرورة. وقد يسألني القراء أحيانًا عن سبب عودتي الدائمة لهذا الموضوع، والحقيقة أن مقالًا واحدًا لا يكفي لرصد عقود من الصمت والتجاهل والفشل الهيكلي. الدافع حاضر دائما بقوة: أكتب لأن مجتمعاتنا ودوائرنا المحيطة بنا لا تستمع -لا لأجساد هؤلاء، ولا لتجاربهم، وبالتأكيد لا لإشاراتهم التحذيرية. فمتى نستمع ونصنع اختلافا في حياة هؤلاء، فلا نلغيهم أو نستبعدهم أو نتجنبهم؟!
إن سلوكيات المجتمع تجاه ذوي الإعاقة وأسرهم تعمق أكثر في العنف البطيء والمرهق الذي يواجهه هؤلاء الأشخاص يوميًا. ذلك النوع من العنف الذي لا يتصدر عناوين الأخبار والبرامج لأنه يختبئ وراء عبارات ملطفة مثل "غير مناسب" أو "لا نحتاج مزيدا من الحزن والنكد!".
لذلك سأستمر في الكتابة، لأن الصمت لا يحمي إلا من يُلحق بهم الضرر. ولأن ذوي الإعاقة يستحقون أكثر من مجرد يوم سنوي في التقويم -فهم يستحقون المواطنة والانتماء، والوصول، والتأثير، والحق في المشاركة في المجتمعات التي تُشكل حياتهم.











12/14/2025 - 18:02 PM





Comments