د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *
ضمن رؤية استخباراتية أمريكية قديمة لمنطقة الشرق الأوسط تخدم المشروع الإسرائيلي التوسعي، هناك شخصيتان برزتا من بين الباقين هنري كيسنجر وزبيغنيو بريجنسكي، إذ بلغا أعلى مراتب مؤسسة الأمن القومي الأميركي بقوة الفكر والطموح والإرادة، وكان لكل منهما تأثير كبير في سياق تاريخ الولايات المتحدة واستراتيجياتها الكبرى، وفي 1961 طرح بريجنسكي على الرئيس ليندون جونسون رأيه القائل أن التطورات التكنولوجية الأميركية قادرة على تسريع الانحدار السوفياتي، وكان يرى بريجنسكي النفط والإسلام أدوات استراتيجية يمكن استخدامها في مواجهة الشيوعية، ولعب دورا كبيرا في التفاوض على اتفاقيات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل 1978 لحرمان السوفييت من حلفاء رئيسيين كمصر.
هناك خطة حدود الدم للجنرال رالف بيترز اقترح حلا للصراعات والنزاعات في الشرق الأوسط بان يكون هناك حدودا للتمايز الطائفي والعرقي والديني نشر أفكاره في مقال في 2006 على صفحات المجلة العسكرية الأميركية آرمدفورسز جورنال، تم تشكيل هوامش لمحاصر السعودية والمنطقة العربية منذ احتلال بوش الابن العراق 2003، وانقلاب حماس على السلطة الفلسطينية عام 2007، وسيطرة حزب الله على لبنان عام 2006، وثورات الربيع العربي 2011، واحتلال الحوثي صنعاء 2014، من شارك في هذه الخطط التيارات والمليشيات الإسلامية وغير الإسلامية لتسريع خطط التدمير، أدى إلى تآكل الجغرافيا ليس فقط في الدول العربية بل وفي القرن الأفريقي خصوصا ما بعد الربيع العربي.
لمحاربة هذه الخطة المدمرة التي فتت المنطقة اقدام السعودية برعاية الأمير محمد بن سلمان الإعلان عن خطة عظيمة للشرق الأوسط خطة تنموية مزدهرة في 2016 وتضمنت الخطة القيام بمشروعات وطنية صلبة تستهوي المستثمرين العالميين للمشاركة فيها، يشجعهم على المشاركة في انهاء الصراعات نتج عنها شراكة أوروبية عربية في حشد العالم للموافقة في إقامة دولة فلسطينية مستقلة اعترفت أكثر من 153 دولة.
هشاشة الأطراف من إيران إلى تركيا إلى إسرائيل التي ظن البعض انها تملك وزنا نوعيا أمام ثقل الرياض، بل في المنطق الاستراتيجي بمثابة دولة مانحة للوزن تعيد توظيف هشاشة الأطراف لتوسيع مركزها ثم تتخلص منهم عند اول اختبار أمني، كما حدث مع حماس التي تخلى حزب الله والحرس الثوري، وكذلك تخلي الحرس الثوري عن حزب الله، في المقابل أيضا التحالف مع إسرائيل لا يصنع توازنا بل ينتج عن هذه العلاقة اختلالا وظيفيا، وهناك دول تمتلك المال لكن لا تمتلك الحجم الجغرافي وتصطدم بالعمق الاستراتيجي السعودي من أجل إرضاء دول كبرى، حتى الولايات المتحدة التي تبنت أمريكا أولا ستنكمش نحو الداخل، وقد اكتشفت أمريكا السعودية كقوة جغرافية وسياسية راسخة منذ عام 1945، واليوم ترى الولايات المتحدة في السعودية زعيما للمنطقة، حتى تتفرغ في ترويض الجوار ومواجهة الصين من أجل الإبقاء على الهيمنة الأمريكية.
تمثل السعودية ثقلا مركبا غير مستعار من أي قوة اخرى، بسبب أنها تمتلك شرعية دينية بوجود الحرمين الشريفين ورعايته، وفشلت الأطراف انتزاع هذه الشرعية او المشاركة فيه، أو تشكيل شرعية موازية، وتمتلك السعودية قوة اقتصادية خصوصا بعد تبني السعودية رؤية المملكة 2030 التي استطاعت جعل السعودية قطب اقتصادي عالمي جاذب، يمسك بمفاتيح الطاقة العالمية، واستثمرت السعودية المكانة الجغرافية التي تربط الشرق بالغرب، وهذا الموقع الجغرافي كتلة جيوستراتيجية راسخة، وتمتلك قوة سياسية تجمع بين المدى والمبدأ، وبين الشرعية والقدرة، ومدار جيوسياسي قادرة على صياغة المعادلات السياسية، وقدرة على إنتاج التوازن الإقليمي ذاتيا، وتحويل الجغرافيا إلى قرارات، وقطب مرجعي، ومحور اتزان، دولة مركز ودولة قرار، لأنها تمتلك ثبات بنيوي في محيط مضطرب، وثقلا مركبا في مواجهة كيانات قزمية تدعي او تتوهم القدرة على موازنة السعودية سواء كانت تتبع المحور الإيراني او الإسرائيلي، كلاهما يقتاتان على أوهام بعدما ظنوهما مظلتان استراتيجيتان، لكن ببعدهما عن كعب الجزيرة السعودية السياسية ضاعوا في صحراء الجغرافيا، وانكشفوا استراتيجيا، والأمثلة كثيرة حماس وحزب الله والحوثي وآخرون، جعلها تتجه نحو التهدئة مع الحوثي في 2022، ومع طهران برعاية بكين في مارس 2023.
كل دول العالم شعرت بثقل المعادلة السياسية في الرياض، فأسياس أفورقي ذكر لولي العهد الأمير محمد بن سلمان أن السعودية كانت غائبة عن التدخل مع أي طرف، ولكن الآن أصبح لزاما عليها التدخل بالقرن الأفريقي لحماية المصالح المشتركة في ظل الضعف العربي الواضح، علما أن ميناء مصوع له تاريخ طويل مع تهامة تجاريا واجتماعيا.
عقد اللقاء الثالث في طهران بحضور الصين في 9/12/2025 السعودية تغيرت وازدادت قوة، وكذلك إيران تغيرت خصوصا بعد الضربات ال12 المتبادلة مع إسرائيل، وكذلك الصين زادت قوتها ومكانتها العالمية خصوصا بعدما تمكنت من النجاح في مواجهة الحرب التجارية مع أمريكا، فقد أعلنت الدول الثلاث دعمها الحل السياسي الشامل في اليمن بما يتوافق مع المبادئ المعترف بها دوليا تحت رعاية الأمم المتحدة.
يأتي انعقاد الاجتماع الثالث في ظل سياق إقليمي معقد وتوترات متصاعدة في البحر الأحمر والخليج، ما يمنحه وزنا سياسيا إضافيا، يأتي هذا الاجتماع لتثبيت دور الصين كوسيط استراتيجي قادر على التأثير في توازنات المنطقة إضافة إلى توسيع مساحة التوافق التي تثيرها الهجمات الإسرائيلية في المنطقة، والمنطقة تتجه نحو إعادة تعريف جيوسياسية للعلاقات بين إيران والسعودية، مع بروز دور صيني واسع يسعى إلى تحويل العلاقة بين البلدين من تنافس صدامي إلى آخر قائم على التفاعل والتعاون، وإلى إدارة خلافاتهما الإقليمية بطريقة لا تسمح بتوسيع نفوذ القوى فوق الإقليمية، من اجل تشكيل نظام إقليمي جديد أكثر استقلالية وتوازنا، ورغبتها في تعزيز التعددية الإقليمية وكذلك الدولية، توازن النفوذ الصيني في غرب أسيا.
* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة ام القرى سابقا











12/14/2025 - 10:56 AM





Comments