د. خالد زغريت
كثيرًا ما يرتبط تاريخ نشأة الأمم العظيمة بالأساطير في مختلف الأزمنة والأمكنة، ولا يكون ذلك نتيجة تفسير العظمة الجيوسياسية لتلك الأمم، إنما هو تجليات الفكر الرغبوي الذي يرجع عظمتها إلى أساطير، ويفسر تفوقها بردّها إلى خوارق أسطورية. والحقيقة أن الأساطير لم تكن حكايات سحرية خارقة تتداولها الشعوب، بل هي تجليات حيّة لمخيلة الأمم، تجسّد ثقافتها العميقة وأنماط تفكيرها. وكثيرًا ما تتحول إلى عقيدة فكرية تاريخية تتسرّب إلى تكوين شخصيات الحاضر وتحركها بدافعية مواربة.
ومادام للأساطير امتدادها في تكوين أنماط تفكير أحفاد مبدعيها وخصائص ثقافتهم، فهي كذلك الأمر ممتدة إلى الإستراتيجيات السياسية لقادة تلك الأمم. ومن الأمثلة الحيّة على ذلك سياسة دولة روسيا تجاه المنطقة العربية في مختلف مراحلها، إذ كانت تلك السياسة راسخة ثابتة. ويؤيّد هذا السياق ما كتبه "د. ناصر زيدان" في كتابه "دور روسيا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من بطرس الأكبر إلى فلاديمير بوتين":
إيراد هذا القول لا يعني أننا نراه لا يأتيه الباطل من حوله، إذ إن الأحداث التاريخية والراهنة تؤكد هذه المقولة وتدعمها بقوة. وهذا الثبات يستدعي التساؤل عن أسباب رسوخه المستدام في السياسة الروسية ماضيًا وحاضرًا. إن الإجابة عن هذا التساؤل تستدعي البحث الحيوي في بنية الإستراتيجية السياسية لروسيا في مختلف منعطفاتها التاريخية، على ما فيها من تحولات جذرية في بنية الحاكمية. ويوضح ذلك تتبّع مساراتها المختلفة.
لقد احتل المغول بلاد الروس ثلاثمئة عام، أمضاها الروس في مناوئتهم حتى تمكنوا من بناء مجموعة إمارات مكوّنة من فولغا العليا وموسكافا وأدكا، وتمكنت هذه الإمارات من دحر المغول وتفكيك إمبراطورية جنكيز خان التي كانت تمتد من منغوليا شرقًا إلى الدانوب غربًا. واللافت جدًا أن الروس حاربوا تيمور لنك تحت راية الصليبية، وأسطورة الحاكمية القيصرية التي تحتم على القيصر أن يتوسّع في أراضي غيره، ولا يكون قيصرًا عظيمًا ما لم يضم إلى أراضي روسيا أراضٍ جديدة. وبذلك قامت السياسة الروسية على ثنائية تناغم بين أحلام تكوين روسيا العظمى بدوافع أساطير القياصرة، وعاطفة دينية تحمل عبء حماية الأرثوذكس في العالم، واستعادة القسطنطينية، والوصول إلى الأمكنة المقدسة في فلسطين.
وتتجسد هذه الثنائية بوضوح أكثر بالعودة إلى تشكّل أولى صور روسيا التي تجسّد دولة كبرى في التاريخ بحكم القياصرة، عائلة "رومانوف"، الذي دام ما يقرب من ثلاثمئة سنة، وبتحديد أدق نشأة روسيا العظمى على يد القيصر "بطرس الأكبر" (1721). وكانت هذه الدولة، بتتابع قياصرتها على الحكم، تولي الأهمية للمنطقة العربية، وهم من أطلقوا تعبير "المياه الدافئة" وضرورة الوصول إليها.
لم تغب هذه الثنائية عن التكوين السياسي للقيادة الروسية في مرحلة القياصرة، بل ترسّخت بتأثير شخصية "راسبوتين" الذي عُرف شعبيًا بقدراته الروحية الخارقة، فشاع أنه يشفي المرضى ويتنبأ بالمستقبل، وكان مقرّبًا من القادة الدينيين للمسيحية الأرثوذكسية. والمفارقة أن هؤلاء القادة لم يحرجهم سلوك راسبوتين الماجن، لما عُرف عنه من المجاهرة بالتهتك وممارسة أبشع الرذائل، بل زاد هذا التناقض من قدرته على ترسيخ أسطورته وخوارقه وسحره.
ولم يقف اختراق راسبوتين لوجدان الشعب الروسي عند هذا الحد، بل امتد إلى اختراق القيصرية بذاتها وفرض سياسته وأفكاره عليها، وذلك بعد أن أُصيب الأمير "ألكسي" ابن القيصر "نيكولاي" بمرض سيولة الدم، وعجز الأطباء عن علاجه. فاستدعى القيصر راسبوتين بتأثير شعبي لمعالجة الأمير، ونجح بشفائه. فكانت طلقة الرحمة لأي فكر يناهض صورته الأسطورية. وتمكن بهذا النجاح من الهيمنة على قرارات القصر، والتحكم بمساراته السياسية، إلى أن ضاق أقرباء القيصر بتسلّطه، وعملوا على اغتياله، فلم ينجحوا إلا في عام (1916) باستدراجه إلى بطرسبرغ وقتله.
وكان قد زاد نفوذه بتوجيه سياسة روسيا القيصرية، محققًا نبوءته بإخفاق حملة القيصر على اليابان، بعد أن حرّض عمّ القيصر ابن أخيه على غزوها وضمّها إلى روسيا، مذكّرًا القيصر بأسطورة التمدد الروسي، وأن القيصر لا يكون عظيمًا ما لم تتوسع روسيا في زمن حكمه. وتحققت كذلك نبوءته بمقتل القيصر وعائلته.
كانت إستراتيجية روسيا القيصرية ترتكز عند مختلف القياصرة إلى ركيزتين: أولهما التوسع الإمبراطوري وعبورهم إلى المياه الدافئة في الشرق الأوسط، وذلك استجابة لنزعة القيصرية الأسطورية، وثانيهما استعادة القسطنطينية والوصول إلى بيت المقدس، تحقيقًا لاعتقادهم بحق حماية الأرثوذكس.
سقطت القيصرية على يد البلاشفة سنة (1917)، ولم تسقط ركائز تلك الإستراتيجية، على الرغم من الفرق الشاسع بين نمط الحكم الإمبراطوري القيصري ونمط البروليتاري اللينيني. فقد كانت إستراتيجية الاتحاد السوفياتي تحت حكمه ترتكز إلى الهيمنة على العالم، والتوسع عن طريق نشر الشيوعية في العالم، واستيلائها على مقاليد السلطة في تلك البلدان، لتكون تابعة للدولة الأمّ: الاتحاد السوفياتي. فهي حامية الشيوعية، وهي صورة طبق الأصل للقيصرية التوسعية من جهة، ومن جهة أخرى اللادينية بدلًا من الأرثوذكسية، إذ حولت الشيوعية اللادين إلى دين.
ولم تكن روسيا الحاضرة التي تشكّلت بعد سقوط الشيوعية بمنأى عن تلك الإستراتيجية. فقد ظهرت الروح القيصرية الأسطورية بالممارسة الناجزة لسياسة بوتين، ورغبته في إعادة الهيمنة القيصرية بلباس بوتيني. ولم يُخفِ بوتين نزعته الصليبية في إعداد رايات القتال، ولا سيما حين جهّز قواته للحرب ضد الشعب السوري، فقد بارك صليبية تلك الحرب برفقة أسقف الأرثوذكس ليصبغا الحملة بقدسية الصليبة.
وكانت قد أعدّت الواشنطن بوست تقريرًا استقصائيًا عنونته بـ"القومية المسيحية خلف حرب بوتين"، تحدّثت فيه عن مباركة البطريرك "كيريل"، أسقف الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا، لحرب روسيا بوتين على جزيرة القرم وأوكرانيا وسوريا سنة (2015). وقد ظهر البطريرك على الإعلام يودّع الجنود الذاهبين للقتال في سوريا، ويصف الحملة بالصليبية ويباركها. فلم تغب ثنائية الأساطير والدين يومًا عن سياسة روسيا، لا في عهد الإمبراطورية القيصرية، ولا في ظل البروليتاريا اللينينية، ولا بخلطة قيصرية بوتين البروليتارية. ولذلك يمكننا إعادة تركيب عِرق السياسة الروسية: دساس.











12/14/2025 - 05:46 AM





Comments