المهندس مدحت الخطيب
قد تبدو القصة التي رواها الملك عبدالله الثاني أمام رفقاء السلاح مجرد لحظة طريفة، لطيفة، مرّت بخفّة على مسامع الحضور. لكنها في الحقيقة لحظة تحمل ما هو أبعد من الضحك والتذكّر. فهي تستحضر روح الجيش التي تُبقي التفاصيل الصغيرة حيّة، وتُعيد الإنسان إلى جذوره الأولى، حيث تُبنى الثقة، وتُصنع الرجولة، وتُحفظ الذاكرة.
الملك تحدّث ببساطة القائد الذي يعرف رجاله واحدًا واحدًا. استذكر مشهدًا من أيام التدريب؛ لحظة تردّد جندي واحد، في قفزة واحدة، رغم أنه قفز مئات المرات قبلها وبعدها. ومع ذلك، بقي اللقب ملازمًا له. ضحك الجميع، وردّدوا الاسم، لا لأن وائل ضعيف، بل لأنه صار رمزًا لروح الدعابة التي تحفظ الودّ بين القائد وجنوده.
هذه البساطة هي التي لامست الناس، لأنهم رأوا ملكًا يتحدّث من ذاكرة الخندق، لا من منصة رسمية، من إنسان، لا من بروتوكول.
لكن حين يخرج المواطن من إطار المزحة، تتزاحم في ذهنه الأسئلة الثقيلة التي راكمتها السنوات:
كم من «وائل» آخر بيننا، لكن ليس ذاك الذي يخاف القفز من الجو، بل الذي يقفز فوق الناس والحق والقانون؟
كم من شخص قفز على حقّ غيره، فحصل على منصب لا يستحقه؟
كم من مسؤول قفز على مقدّرات الوطن وعاث فيها فسادًا، دون أن يرمش له جفن؟
كم من صاحب قرار قفز على التشريعات والأنظمة، وجعل استثناءه قاعدة، ومصلحته قانونًا؟
كم من أشخاص مارسوا القفز كعادة، لا كهفوة عابرة في يوم عابر؟
قصة وائل تُضحك، أما قصص «وائل الكبير» في الحياة العامة فتُبكي وتوجع.
الملك استذكرها بروح المحبة والرفقة. ونحن نستذكر ألف «وائل» من باب السؤال الوطني المشروع: إلى متى يبقى من يسير على الدور متأخرًا، ومن يقفز فوقه متقدمًا؟
الوطن لا يُحمى بالصدفة، ولا يُدار بالقفز الحر.
الوطن يُبنى بتسلسل، بالعدل، بالكفاءة، وبالاحترام الحقيقي لمبدأ الدور. لأن القفز فوق الدور هو أول أبواب الفساد، وهو الشرارة التي تُطفئ ثقة الناس بدولتهم.
الجيش، رغم كل شيء، بقي المؤسسة الوحيدة التي لم يعرف أبناؤها إلا القفز في ميادين training، لا في حقوق الناس؛ قفزوا دفاعًا عن البلاد، لا فوق رقاب العباد. ولهذا، بقي احترامهم ثابتًا، وهيبتهم ثابتة، وذكرهم طيبًا.
حمى الله الجيش رمزًا للانضباط، لا الفوضى.
وحمى الله الملك الذي يُعيد، عبر قصة صغيرة، معنى كبيرًا: أن التواضع أقوى من السلطة، وأن الإنسان أكبر من اللقب.
وحمى الله هذا الوطن من كل من يرى في القفز مهارة، وفي تجاوز الدور وتحقيق العدالة بطولة،
وسخّر لنا من يقفز بنا إلى الأمام، لا فوقنا، ولا على حسابنا، ولا على حساب مستقبل البلاد.
* كاتب ونقابي أردني











12/14/2025 - 05:34 AM





Comments