تحقيق ليلى ابو حيدر *
في مشهد سياسي لبناني يزداد تعقيدًا، برز موقف لافت للنائب جبران باسيل، رئيس التيار الوطني الحر، مشيدًا بخطوة التفاوض التي قرر رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون السير بها، واصفًا إياها بأنها "أمر طبيعي" ينبع من موقع الرئاسة الأولى ودورها الوطني. هذا التصريح لم يمر مرور الكرام، بل أثار سلسلة من القراءات السياسية، لما يحمله من دلالات تتجاوز اللحظة الآنية، وتلامس عمق العلاقة بين الرئاسة الأولى، والتيار الوطني الحر، والمؤسسة العسكرية.
خطوة التفاوض: بين السيادة والواقعية
قرار الرئيس جوزاف عون بالسير في مسار تفاوضي، لم يُفصح بعد عن كامل تفاصيله، جاء في لحظة دقيقة تمر بها البلاد، وسط انسداد سياسي واقتصادي وأمني. وفي هذا السياق، اعتبر باسيل أن هذه الخطوة "طبيعية"، في إشارة إلى أن الرئاسة الأولى، بحكم موقعها الدستوري والوطني، تملك صَلاحِيَة المبادرة، لا سيما حين تكون البلاد أمام تحديات مصيرية.
تصريح باسيل لم يكن مجرد تأييد عابر، بل حمل في طياته رسالة مزدوجة: دعم للرئيس عون في قراره، وتأكيد على أن التيار الوطني الحر لا يزال يرى في الرئاسة الأولى مرجعية وطنية قادرة على اتخاذ قرارات استراتيجية، حتى في ظل التباينات السياسية الحادة.
دلالات سياسية تتجاوز اللحظة
من الناحية السياسية، يمكن قراءة موقف باسيل على أنه محاولة لإعادة التموضع في المشهد الداخلي، خصوصًا بعد فترة من التوترات بين التيار الوطني الحر وبعض مكونات السلطة، لا سيما في مِلَفّ انتخاب رئيس الجمهورية. فباسيل، الذي لطالما اعتُبر من أبرز المرشحين للرئاسة، يبدو اليوم أكثر ميلاً إلى لعب دور الداعم للرئاسة الحالية، في محاولة لإعادة بناء الجسور مع المؤسسة العسكرية، ومع الشارع المسيحي الذي ينظر إلى الجيش كضمانة للاستقرار.
كما أن إشادة باسيل بخطوة التفاوض تعكس إدراكًا متزايدًا لدى التيار الوطني الحر بأن الجمود السياسي لم يعد خيارًا، وأن الانفتاح على الحلول الواقعية، حتى وإن كانت مؤلمة أو محفوفة بالمخاطر، قد يكون السبيل الوحيد للخروج من النفق.
دعم الجيش: موقف ثابت أم تكتيك سياسي؟
في موازاة إشادته بالرئاسة الأولى، لم يغب عن باسيل التأكيد على دعمه للمؤسسة العسكرية، معتبرًا أن الجيش اللبناني هو "الضامن الوحيد لوحدة البلاد واستقرارها". هذا الموقف، وإن بدا امتدادًا لمواقف سابقة للتيار الوطني الحر، إلا أنه يكتسب اليوم بعدًا إضافيًا، في ظل ما يُحكى عن أدوار متزايدة للجيش في المرحلة المقبلة، سواء على صعيد الأمن الداخلي أو في إدارة المرحلة الانتقالية سياسيًا.
يرى مراقبون أن دعم باسيل للجيش ليس فقط تعبيرًا عن قناعة وطنية، بل أيضًا رسالة إلى الداخل والخارج بأن التيار الوطني الحر لا يزال يراهن على المؤسسات، لا على الميليشيات أو التسويات العابرة. كما أنه قد يكون محاولة لطمأنة المجتمع الدولي، الذي يراقب الوضع اللبناني عن كثب، ويشترط أي دعم مالي أو سياسي بوجود مؤسسات فاعلة ومستقرة.
بين الرئاسة والتيار: توازنات دقيقة
العلاقة بين التيار الوطني الحر والرئاسة الأولى، التي يمثلها اليوم العماد جوزاف عون، تمر بمرحلة اختبار. فبينما يرى البعض أن باسيل يحاول استعادة زمام المبادرة بعد أن خسر معركة الرئاسة، يرى آخرون أن إشادته بخطوة التفاوض تعكس إدراكًا بأن المرحلة تتطلب تضافر الجهود، لا سيما في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بالبلاد.
في هذا السياق، يشير مصدر سياسي مطلع إلى أن "باسيل يدرك أن أي مواجهة مع الرئاسة الأولى أو مع الجيش لن تكون في صالحه، لا شعبيًا ولا سياسيًا، ولذلك فهو يختار التهدئة، وربما ألتماهي مع خيارات الرئاسة، على أمل أن يكون جزءًا من الحل لا من المشكلة".
التفاوض: إلى أين؟
يبقى السؤال الأهم: ما طبيعة التفاوض الذي قرر الرئيس السير به؟ وهل هو تفاوض داخلي بين القوى السياسية، أم أنه يمتد إلى ملفات إقليمية ودولية؟
في ظل شح المعلومات، تكثر التحليلات. فالبعض يرى أن التفاوض قد يكون مرتبطًا بملف ترسيم الحدود البحرية أو البرية، أو بإعادة ترتيب العلاقات مع بعض الدول العربية والغربية. فيما يرى آخرون أن التفاوض قد يكون داخليًا، يهدف إلى التوصل إلى تسوية سياسية تُخرج البلاد من حالة الشلل، وتفتح الباب أمام انتخاب رئيس جديد للجمهورية.
في كلتا الحالتين، فإن موقف باسيل الداعم لهذه الخطوة يعكس تحوّلًا في مقاربة التيار الوطني الحر، من موقع المعارض إلى موقع الشريك في الحل، ولو من موقع غير رسمي.
الرسائل إلى الحلفاء والخصوم
لم يكن تصريح باسيل موجهًا فقط إلى الرئاسة الأولى، بل حمل رسائل مبطنة إلى الحلفاء والخصوم على حد سواء. فمن جهة، هو يطمئن حلفاءه بأنه لا يسعى إلى التصعيد، بل إلى التهدئة والتعاون. ومن جهة أخرى، يوجه رسالة إلى خصومه بأنه لا يزال لاعبًا أساسيًا في المعادلة، وقادر على التأثير في مسار الأحداث.
كما أن تأكيده على دعم الجيش، في وقت تتصاعد فيه الأصوات المنتقدة لدور المؤسسة العسكرية، يضعه في موقع المدافع عن الدولة، في مقابل من يُتهمون بالسعي إلى تقويضها أو استبدالها بسلطات موازية.
في الخلاصة: لحظة مفصلية
لبنان يقف اليوم على مفترق طرق. وبين الجمود والانفراج، وبين الانهيار والانقاذ، تبرز مبادرات فردية قد تشكل مدخلًا لحلول أوسع. وفي هذا السياق، تأتي خطوة الرئيس جوزاف عون، وموقف النائب جبران باسيل، كمؤشرين على أن ثمة من لا يزال يؤمن بإمكانية الخروج من الأزمة، عبر التفاوض، وعبر دعم المؤسسات، لا سيما الجيش. لكن يبقى التحدي الأكبر في تَرْجَمَة هذه المواقف إلى خطوات عملية، وفي بناء توافق وطني حقيقي، يتجاوز الحسابات الضيقة، ويضع مصلحة لبنان فوق كل اعتبار.
فهل تكون هذه الخطوة بداية مسار جديد، أم مجرد محطة عابرة في مشهد لبناني اعتاد على المفاجآت؟
* ليلى أبو حيدر تُعد من الصحافيات اللبنانيات، وتتميّز بكتاباتها المتخصصة في الشأن اللبناني والدولي، حيث تنشر مقالات وتحليلات في عدد من الصحف والمواقع الإخبارية.
من خلال أسلوبها، يتّضح التزامها بالتحليل العميق والطرح المتوازن، مع تركيز خاص على القضايا السياسية والاجتماعية التي تمس لبنان والمنطقة. وتُعرف بمقاربتها المهنية التي تمزج بين الدقة الصحافية والرؤية النقدية، ما يجعل مقالاتها مرجعًا للمهتمين بالشأن العام.











12/12/2025 - 14:34 PM





Comments