خبير بيئي لـ "بيروت تايمز" وجود الحدائق ينعكس مباشرة على حياة الإنسان وصحته
تحقيق ربى أبو فاضل
يتميز لبنان بتنوع طبيعي فريد يجمع بين البحر والجبل والغابات، لكن خلف جدران الإهمال تختفي كنوزه الخضراء، فالمساحات العامة التي كان يفترض أن تشكل متنفساً للمدن والبلدات المكتظة بالضجيج، باتت اليوم مهددة بالتجريف لصالح مشاريع عمرانية وتجارية، أو متروكة لسوء الإدارة والاستخدام العشوائي، فيما بعضها الآخر مغلق أو مهملK فالحديقة العامة ليست مجرد مساحة خضراء تزين المشهد، بل هي رئة حضرية تنقي هواء المدن، وملاذ يوفر الراحة النفسية والجسدية، وميدان لقاء يجمع مختلف الفئات بعيدا عن الفوارق والتمييز، غير أن الواقع يكشف صورة مغايرة تماماً، فضاءات عامة تتلاشى أو تفرغ من دورها، في ظل غياب استراتيجيات واضحة ورقابة فاعلة، ما يطرح أسئلة ملحة حول دور الدولة والمجتمع في حماية هذا الحق الأساسي للبنانيين.
تتجاوز أهمية الحدائق العامة كونها مجرد مساحات خضراء، فهي تؤدي دورا بيئيا حيويا، حيث أكد خبير بيئي فضل عدم الكشف عن اسمه لـ "بيروت تايمز" أن "الحدائق تخفف من حرارة المدن وتساهم في امتصاص ثاني أكسيد الكربون والانبعاثات، وتساعد تربتها ونباتاتها في إدارة مياه الأمطار والحد من الفيضانات، إضافة إلى كونها ملاذا يحافظ على التنوع البيولوجي داخل المدن"، مضيفاً "لا يقل البعد الجمالي والثقافي شأنا، إذ تضفي الحدائق هوية حضرية مميزة تعكس تراث المكان، وتتحول إلى منصات للأنشطة الثقافية والفنية، ومساحات للتأمل والراحة البصرية والروحية، لتكون بحق رئة نابضة بالمدينة".
وإلى جانب أثرها البيئي، فإن وجود الحدائق ينعكس مباشرة على حياة الإنسان وصحته، إذ تحفز على الحركة والمشي، وتساهم في تقليل الإجهاد وتحسين المزاج، فضلا عن دورها في مكافحة أمراض العصر كالبدانة وأمراض القلب، كما تشكل فضاء جامعا للتواصل الاجتماعي، حيث تلتقي الأجيال والعائلات في أجواء طبيعية تعزز الانفتاح والراحة النفسية.
ومع هذه الأهمية البالغة، يعكس واقع الحدائق العامة في لبنان تحديات كبيرة ومتداخلة، فمن جهة، شهدت بعض الحدائق مشاريع إعادة تأهيل بارزة، مثل حوش بيروت ضمن برنامج ENABLE المدعوم من الاتحاد الأوروبي، واستعادة حديقة سيوفي في الأشرفية بمبادرات UNOPS والسفارة الألمانية ومجلس بيروت، إضافة إلى مشاريع صغيرة نفذتها منظمات غير حكومية لتحسين حدائق محلية ككارنتينا والغبيرية والقاسقاس، ما أتاح مساحات أكثر جاذبية وآمنة للمواطنين، ومن جهة أخرى، تبقى الكثير من الحدائق مغلقة لفترات طويلة رغم الإنفاق على صيانتها، بينما تعاني أخرى نقصاً في المرافق الأساسية، إضاءة ضعيفة، مقاعد تالفة، ومسارات غير مهيأة لذوي الاحتياجات الخاصة، إلى جانب مشاكل في مياه الري كما في حوش بيروت.
ويتفاقم الوضع بفعل ضغوط التوسع العمراني، مع محاولات لتحويل بعض الحدائق إلى مواقف سيارات أو مشاريع تجارية، في ظل ضعف ميزانيات البلديات ونقص الكوادر المتخصصة، وأسباب الإهمال متعددة ومعقدة، وتشمل أبعاداً سياسية وإدارية ومجتمعية وبيئية مترابطة، فغالباً ما تكون الأولويات الحكومية مركزة على الملفات الأكثر إلحاحاً مثل الأمن والكهرباء والمياه والنفايات، فتتراجع المشاريع الخضراء أو صيانتها إلى مراتب أقل، مع اعتماد كبير على التمويل الخارجي الذي يترك المشاريع هشة عند انقطاعه، كما يواجه القائمون على الحدائق عقبات بيروقراطية كبيرة، من صعوبة الحصول على التصاريح إلى تعقيد التنسيق بين البلديات والوزارات، بينما تشهد بعض المساحات تعديات على الأراضي العامة عبر بناء محلات أو مواقف أو استثمارات خاصة دون مراعاة الأثر البيئي وحق المواطنين.
إلى ذلك، يغيب في كثير من الأحيان الوعي المجتمعي بأهمية صيانة الحدائق، فيساهم بعض السكان في تلوثها أو إساءة استخدام مرافقها، ما يسرّع من تدهورها. كما تلعب العوامل البيئية دوراً أساسياً، إذ تؤثر التغيرات المناخية والجفاف بشكل مباشر على صحة النباتات والخضرة، مع نقص مستمر في المياه وارتفاع درجات الحرارة، ما يزيد صعوبة الحفاظ على هذه المساحات الحيوية للجمال العام والصحة النفسية والجسدية للمواطنين.
وهكذا، تتجلى دائرة الإهمال في لبنان كنتيجة لتداخل العقبات الإدارية، ضعف التمويل، السلوك المجتمعي، والضغوط البيئية، رغم الإنجازات المحلية والدعم الدولي، لتبقى الحدائق العامة بحاجة إلى استراتيجيات متكاملة تحميها وتعزز دورها في حياة الناس.
ويشدد خبراء البيئة على أن تعزيز الحدائق العامة وتحقيق استدامتها يتطلب تبني استراتيجية شاملة ومتعددة المستويات تجمع بين الدور الحكومي والمجتمع المدني والممارسات البيئية المستدامة، فعلى الصعيد الرسمي، تؤكد الخبرات ضرورة وضع خطة وطنية للحدائق العامة والمساحات الخضراء تحدد المعايير الأساسية للمرافق والخدمات، بما يشمل الصيانة المنتظمة، الإضاءة، الأمن، المرافق الصحية، وأماكن الجلوس، مع ضمان سهولة الوصول لذوي الاحتياجات الخاصة وكبار السن، مشيرين إلى أهمية تأمين تمويل مستدام للبلديات من خلال ميزانيات ثابتة وموارد داخلية سنوية، وربما شراكات عامة-خاصة، مع وضع قوانين صارمة تحمي الحدائق من التعديات وتحويلها إلى مبان أو مواقف، وتعزيز التنسيق الإداري بين الوزارات والمنظمات المحلية لضمان استدامة المشاريع وفعاليتها.
أما على صعيد المجتمع المدني، يحث الخبراء المواطنين على المشاركة الفعلية في صيانة الحدائق وحملات التنظيف، والتوعية المستمرة بأهمية الاستخدام المسؤول، والضغط المجتمعي والإعلامي لضمان حماية هذه المساحات واستثمارها بشكل أمثل، كما يشددون على تبني تقنيات وممارسات صديقة للبيئة مثل زراعة نباتات محلية مقاومة للجفاف والتغيرات المناخية لتقليل استهلاك المياه، استخدام أنظمة ري ذكية، استثمار مياه الأمطار، مواد معاد تدويرها في إنشاء المرافق والمقاعد، الطاقة الشمسية، وتصاميم مبتكرة تحافظ على جماليات الحدائق وتنوعها البيئي، بما يضمن أن تصبح الحدائق العامة مساحات خضراء صحية وآمنة وجاذبة لجميع فئات المجتمع، ومصدر راحة نفسية وجمالية وبيئية مستدامة.
الحدائق العامة ليست ترفا إنها ضرورة أساسية للحياة الكريمة، فجمال المدن لا يقاس فقط بالمباني، بل بالخضرة، بالفراغات التي تسمح للإنسان أن يتنفس، ينظر، يتحرك، يلتقي، والحفاظ على الحدائق هو استثمار في الصحة، البيئة، والجمال، هو استثمار في مستقبل الأجيال القادمة شريطة أن تعود الأولوية الحكومية والمجتمعية لما يعتبرونه ثانويا
يشار إلى أنه لا توجد إحصائية رسمية دقيقة لعدد الحدائق العامة في لبنان، لكن تقديرات تشير إلى أن بيروت الكبرى تحتوي على حوالي 19 حديقة عامة، منها:
حديقة الصنائع، جبران خليل جبران، السيوفي، حرش بيروت، يوبي، رينيه معوض، جعيتاوي، الغفران، اليسوعية، مار نقولا، حوض الولاية، المفتي حسن خالد، بلدية بيت الشعار، جل الديب، منتزه صيدا البلدي، المهندس محمد السعودين، جعيتان، والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.











12/12/2025 - 13:01 PM





Comments