ماذا كنتُ أُريدُ حقًّا؟

12/11/2025 - 10:19 AM

A

 

 

مفيد خطار 

 
بعدَ سِتّينَ عامًا،
أجلسُ على ضفّةِ العُمرِ،
أراقِبُ النهرَ الّذي جَرَفَ أحلامي،
وأحصي الخُطَواتِ الّتي مَشَيتُها
إلى حيثُ لا أدرِي.
 
أسألُ نفسي، بصوتٍ يَختَلِطُ بالصَّمتِ: مَاذا كنتُ أُريدُ حقًّا؟
هل كنتُ أبحثُ عن زَوجٍ يَملأُ فراغي؟
أم عن بيتٍ يَحجُبُ عنِّي خوفي؟
هل كانَ الزّواجُ نهايةَ الطَّريقِ،
أم بدايةً إلى سَفَرٍ أطوَل؟
أم كنتُ أبحثُ عن وجهٍ بَشَريٍّ
يُخبِّئُ في مَلامِحِه وجهَ اللَّهِ؟
 
أنظُرُ إلى رفيقي،
لم يَعُد في عَيني خصمًا ولا مُنقِذًا،
بل رفيقُ دَربٍ،
حَمَلَ معي ما عَرفتُ وما جَهِلت،
صَمَتَ حينَ عَجَزَ الكلامُ،
وكانَ مِرآةً لضعفِي أكثرَ من كونهِ سببًا له.
 
اليومَ، بعدَ سِتّينَ عامًا،
أدرِكُ أنّ عَطَشي لم يَكنْ إليهِ وَحدَه،
ولا إلى الأهدافِ المُؤجَّلَةِ،
ولا إلى الأحلامِ المُعلَّقَةِ على جِدارِ الوقتِ،
بل إلى ذاكَ اليَنبوعِ، الذي لا يَجِفُّ إن شَربتُ منهُ،
ولا يَنضُبُ إن عَطِشتُ إليه.
 
فماذا كنتُ أُريدُ حقًّا؟
كنتُ أبحثُ عنكَ، يا مَن تُقيمُ في صَميمِ القَلبِ،
يا مَن تُحوِّلُ خَيبَةَ السنينِ إلى حِكْمَةٍ،
وبُرودَةَ العلاقةِ إلى دِفءِ أعمَقَ من العاطفةِ.
 
أكتشِفُ مُتأخِّرًا أنّ الحُبَّ لم يَكن وَعدًا مُؤجَّلًا،
ولا رِحلةً نَحوَ غايةٍ بَعيدَة،
بل كان لِقاءً صَغيرًا بِكَ في كلِّ يومٍ،
رِسالةً خَفيّةً في عَينِه،
ابتسامةً عابِرَةً وسطَ عَتمَةٍ طَويلةٍ،
وسَلامًا يَنمو حيثُ لم أزرْهُ يَومًا.
 
اليومَ، بعدَ سِتّينَ عامًا،
لا أطلُبُ عَودةَ البِدَايَاتِ،
ولا أن أستعيدَ ما مَضى،
أطلُبُ فقط أن أتعَلَّمَ الإصغاءَ،
أن أرى وَجهَكَ في وَجهِهِ،
وأفهَمَ أنّ الطَّريقَ إليكَ
كانَ يَمرُّ بي، وبِه، وبِالحياةِ معًا.
 
فماذا أُريدُ الآن؟
أُريدُ أن أستريحَ فيكَ،
أن أُحبَّ بِسَلامٍ لا يَخافُ النِّهايةَ،
وأُدرِكَ أنّ العُمرَ كلَّه،
بِخَساراتِهِ وأحلامِهِ،
كان مُجرَّدَ هِمْسَةٍ مِنكَ تقولُ:
«كُنتُ هُنَا… مُنذُ البِدايةِ».
 
خَرْبَشَاتُ طِفْلٍ – بِقَلَمِ الإِبْنِ الضَّالِّ … إِذَا تَابَ.
 
 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment