
بيار أ. مارون *
في الضاحية الجنوبية من بيروت، شجرة ميلاد صغيرة تحمل بدل الكرات اللامعة صور حسن نصرالله وخامنئي وشهداء حزب الله، كأنها أيقونات مقدسة جديدة. وفي الوقت نفسه، شوارع وسط بيروت تتوهج بأقواس ضوئية إيطالية مبهرة كتب عليها «عايشتي… Beirut Forever»، فاتهمها البعض بأنها تحاول «أسلمة» الميلاد أو سرقة روحه المسيحية.
بضعة كيلومترات تفصل بين المشهدين، لكنها كافية لتلخّص عيد الميلاد في لبنان اليوم: فرح مشروط، زينة على خط النار، حيث يحتفل كل واحد… لكن دون أن يفقد نفسه.
في لبنان، لم تعد شجرة الميلاد مجرد زينة. فتعليق صور شخصيات سياسية أو دينية عليها يكشف عن توتر أعمق بين الهوية الفردية والرمز الجماعي. ما يبدو في الظاهر فعل محبة أو تقدير، يتحوّل في السياق اللبناني إلى رسالة هويّاتية: محاولة لإعادة تعريف العيد وفق انتماء سياسي أو عقائدي.
هذه الممارسة ترتبط بحاجات نفسية واضحة. فالفرد الذي عاش في بيئة مليئة بالحروب والاستهدافات يبحث عن “الأب الرمزي” — القائد الذي يمنحه الأمان والشرعية. وحين تُعلَّق صورته على الشجرة، تُسقَط عليه معاني الحماية والرجاء، فيختلط المقدّس بالسياسي داخل لاوعي الفرد.
لكن خلف هذا السلوك أيضاً شعور دائم بأن الهوية مهدّدة. فحتى من يريد الاحتفال بالميلاد لأسباب ثقافية أو وطنية، يشعر بأنه يحتاج إلى “طمأنة بيئته”، فيضيف رموزاً خاصة كي لا يبدو وكأنه يتجاوز الحدود. هكذا تتحوّل الشجرة إلى مساحة “استحواذ رمزي”، حيث يشارك الفرد في العيد، لكن وفق شروط هويته.
هذا التوتر لا يظهر فقط في المنازل. فزينة الميلاد الإيطالية في وسط بيروت (Luminarie) أثارت جدلاً مماثلاً: هل هي جميلة أم غريبة؟ هل هي لبنانية أم مستوردة؟ هل تشبه زينة رمضان أم محاولة لتحديث المدينة؟ الجدل نفسه يعيد السؤال ذاته: من يملك حق تحديد رمز العيد في بلد ينتج هويته من خلال الصراع على الرموز؟
ورغم هذا كله، لا يمكن إغفال جانب آخر: بعض هذه الممارسات نابع فعلًا من رغبة صادقة في التقارب مع المجتمع المسيحي. الكثير من مناطق الأغلبية الشيعية شهدت مبادرات لزينة الميلاد — من الضاحية إلى صور وصيدا — أحيانًا بالتعاون مع فعاليات مسيحية، في تعبير عن العيش المشترك. لكن حتى هنا، يظل الانفتاح محكوماً بحدود الهوية.
ما نراه على أغصان الشجر وفي شوارع بيروت ليس مجرد زينة، بل انعكاس لوطن يعيش بين الرغبة بالفرح والخوف من الذوبان، بين الانفتاح وحراسة الهوية. وربما خلف كل هذه الأضواء، هناك شخص يحاول أن يقول ببساطة:
“أريد أن أفرح… ولكن دون أن أفقد نفسي.”
في النهاية، مهما تكاثرت الصور على الأغصان، ومهما علت الأضواء في الشوارع، ومهما تشابكت الرموز السياسية والطائفية والطبقية… يبقى الميلاد، في أصله وجوهره، عيد يسوع المسيح، المخلّص الذي وُلد للجميع دون استثناء. وربما في هذه السنة بالذات، وَسَط كل هذا التوتر الهوياتي، يصبح نور المغارة البسيطة تذكيرًا صامتًا: الخلاص لا يحتاج إلى صورة زعيم، ولا إلى أقواس مضيئة بملايين الدولارات، بل إلى قلب واحد يجرؤ أن يفرح… دون أن يخاف أن يفقد نفسه.
عيد ميلاد مجيد، لكل لبنان والعالم.
* رئيس منظمة دروع لبنان الموحد SOUL
محلل استراتيجي











12/11/2025 - 08:40 AM





Comments