الخوري إدغار الهيبي
في الانتماء يبني الفرد ذاته وحريّته وهويّته من مخزون المجموعة التي ينتمي إليها، ويجعل من ذاته، في حركة وجدانيّة وقيميّة لولبيّة تصاعديّة، مشروع تمكينٍ وتطويرٍ للخير العام وللإنسانيّة. يخدم الشخص المنتمي إلى الجماعة الخير العام الذي يحصّن هذه الجماعة، ويشارك في تنميته بالكثير من الوفاء والعطاءات والتضحية، مسلَّحا بالتواضع والمعرفة والإيمان بالقضيّة.
أمّا في التملّك، يعيش الفرد في هذيان التسلّط ويتغنّى بإنجازاته التي لولاها لما كان وطن أو مؤسّسة أو جامع أو كنيسة... وبدل أن ينحني تواضعًا أمام الجماعة المتضامنة في صنع هويّتهم وتمتين وحدتهم، يمتلئ بالكبرياء والعنجهيّة مدفوعًا بجهله وبحاجته لتمجيد الذات، ضاربًا بعرض الحائط المصلحة العامّة كلّما شعر أنّ نفوذه ونطاق سيطرته ومصالحه مهدّدة.
في الانتماء يشعر الفرد بنموّه كلّما ازدهرت الجماعة التي ينتمي إليها. أمّا في التملّك يشعر الفرد بالخطر كلّما ازدهرت الجماعة والمؤسّسة، أو كلّما اشتمّ رائحة ازدهار أحدٍ غيره.
في الانتماء يكون الفرد مستعدًا للاستشهاد في سبيل الجماعة والخير العام ومجد الله. أمّا في التملّك يكون الفرد على استعداد لإلغاء الجماعة والمؤسّسة كلّما شعر بالتهديد، وكلّما اضمحلّت فرص مجد ذاته. بالانتماء تنمو الجماعات والمؤسّسات والأوطان وتزدهر. أمّا بالتملّك تُفسَدُ وتندحر.
كلّ ذلك مرتبط بجذور أعمق في تاريخ تربية وتنمية الشخص البشري. وهذه الجذور تُختَصر بنموذجين: نموذج الكينونة (être) ونموذج العِنديّة (avoir). فبحسب نموذج الكينونة تُبنى الهويّة على أساس الاختبار الوجداني والعلائقي المليء بالمعنى والمشاعر وقيم الفرح والسلام، والإيمان والرجاء والحب. أما بحسب نموذج العنديّة، فتُبنى الشخصيّة على مثلّث التجارب المدمّرة: المال والسلطة والشهوة. مدمّرة لأنها، إذا تربّعت على عرش الأنا، تسجن الإنسان في دنيا المادّة وتحرمه من طاقة الروح.
هذه التجارب الثلاث تقمع الكيان السامي لكلّ إنسان، وتسلّط فيه رذائل الكبرياء والاستهلاك والاستغلال، فيصبح الخير بالنسبة إليه تغليب المصلحة الخاصة وتثمير "ما عندي" و"ما أملك" عبر عمليّة قضم وعنف واغتصاب لكيان الآخر ولكلّ ما يمتّ بالخير العام بصلة.
بين الانتماء والتملّك، بين الكينونة والعنديّة، إنساننا يناضل لبناء ذاته، فهل يحقّق الحريّة المنشودة أم يضيع في غياهب العبوديّة المظلمة؟!











12/10/2025 - 08:30 AM





Comments