فاروق غانم خداج *
تمهيد: الكتاب بوصفه سيرةً روحية
قبل أن تتحوّلَ ماري (مي) زيادةَ إلى سيّدةِ الصالونِ الأدبيِّ الأشهرِ في القاهرةَ، وقبل أن يطوي الغيابُ سنواتِها الأخيرةَ في العصفوريةِ، ألّفتْ في عامَ 1923 كتابَ «ظلماتٌ وأشعَةٌ».
كان العالمُ العربيُّ يومَها يخرجُ لتوِّهِ من أهوالِ الحربِ العالميةِ الأولى، ويتعثّرُ في مرحلةِ استعمارٍ جديدٍ، بينما كانت مي — الشابّةُ المثقفةُ، المتعدّدةُ اللغاتِ، المُحاطةُ بمعاركِ العصرِ الفكريةِ — تبحثُ عن مكانٍ لها في هذا التشكلِ العنيفِ للعالَمِ.
لم يكنِ الكتابُ مجردَ تجميعِ مقالاتٍ، بل بدا كأنّه وثيقةٌ روحيةٌ، أو سيرةٌ وجوديّةٌ تكتبُها مي بوعيٍ جديدٍ: سيرةٌ لروحٍ تُحاوِلُ أن تستخرجَ نورَها الداخليَّ من ظلماتِ الذاتِ والواقعِ معًا.
وعلى الرغمِ من أن وفاةَ والدِها إلياسَ زيادةَ وقعت لاحقًا عامَ 1929، أي بعد نشرِ الكتابِ بستِّ سنواتٍ، فإن المقالاتِ تحملُ بصمةَ القلقِ الوجوديِّ العميقِ الذي كان يسبقُ مآسيها اللاحقةَ، وكأنّها كانت تكتبُ تحت ضغطِ إحساسٍ متصاعدٍ بالوحدةِ، وبتقلّباتِ عصرٍ يُقاومُ أن يمنحَ مفكّريهِ لحظةَ استقرارٍ واحدةٍ.
حريةُ الفكرِ… معركةُ الذاتِ قبل أن تكونَ معركةَ المجتمعِ
في مقالتِها المركزيةِ «في حريةِ الفكرِ»، لا ترفعُ مي الشعاراتِ ولا تستسلمُ للحماسةِ الخطابيةِ، بل تكتبُ عن الحريةِ من جذْرِها النفسيِّ:
إن أخطرَ أشكالِ الاستبدادِ هو ذاك الذي يُمارَسُ داخلَ الإنسانِ نفسِهِ — خوفُهُ من رأيِه، خضوعُهُ لفكرةٍ رائجةٍ، أو تردُّدُهُ أمام الحقيقةِ التي يراها.
بهذا التصورِ، تتحوّلُ الحريةُ إلى امتحانٍ للضميرِ، لا إلى صراعٍ سياسيٍّ فقط.
كانت مي تُدرِكُ أن المجتمعَ العربيَّ الخارجَ من قرونٍ من الركودِ العثمانيِّ، والمقبلَ على أنظمةٍ استعماريةٍ جديدةٍ، يُغريهِ الحديثُ عن الحريةِ، فيما يبقى سلوكُهُ اليوميُّ مقيّدًا بالخوفِ من التجديدِ والمساءلةِ.
لذا، لا تدعو مي إلى حريةٍ صاخبةٍ، بل إلى حريةٍ مسؤولةٍ: حريةٍ تنبعُ من نُضجٍ داخليٍّ يجعلُ الحقيقةَ قيمةً لا يمكنُ التلاعبُ بها، ولا توظيفُها سلاحًا في النزاعاتِ الفكريةِ.
الحبُّ والصداقةُ… وطنانِ معنويّانِ في زمنِ الوحشةِ
حين تتحدثُ مي عن الحبِّ، تتسامى به بعيدًا عن الرومانسيةِ المألوفةِ.
الحبُّ عندها ليس هروبًا، بل كشفًا؛ ليس رغبةً، بل مرآةً يرى فيها المرءُ نفسَه عاريًا من زخارفِه.
إنّه «نورٌ» تراه يفضحُ «الظلماتِ» الداخليةَ، فيدعو إلى التهذيبِ الروحيِّ أكثرَ مما يدعو إلى الانجذابِ العاطفيِّ.
وبالمثلِ، تمنحُ مي الصداقةَ مكانةً شبهَ مقدّسةٍ.
فهي ليست علاقةَ مصلحةٍ ولا إطارًا اجتماعيًّا.
الصديقُ، كما تُصوّره، هو الوطنُ المعنويُّ الذي «يراكا كما أنتَ»، وهو مساحةُ الوجودِ الصادقِ في عالَمٍ يتكاثرُ فيه الزيفُ.
قد يُغري القارئَ ربطُ هذه الرؤى بعلاقاتِ مي الشخصيةِ، لكن القراءةَ الأدقَّ — والأكثرَ احترامًا للنص — هي ربطُها بحالتِها النفسيةِ كامرأةٍ مثقفةٍ تعيشُ وحيدةً في مجتمعٍ ذكوريٍّ، وتبحثُ عن روابطَ روحيةٍ صافيةٍ تُعوّضُ عن وحدةٍ داخليةٍ عميقةٍ.
هكذا تتحوّلُ المقالتانِ إلى يومياتِ روحٍ غيرِ مُعلَنةٍ، تكتبُ فيها مي عن شوقِها إلى محبةٍ تُنقِذُ الإنسانَ من قسوته، وعن صداقةٍ تُقيمُ توازنًا بين العقلِ والعاطفةِ.
«ظلماتٌ وأشعَةٌ»… الفلسفةُ الداخليةُ لثنائيةِ الإنسانِ
عنوانُ الكتابِ ليس مجازًا اعتباطيًا.
فالظلمةُ عند مي ليست شرًّا مطلقًا ولا نتيجةً خارجيةً فحسب، بل هي حالةٌ نفسيةٌ تنشأ من الخساراتِ والالتباساتِ والبحثِ الذي لا يهدأ.
أمّا «الأشعَةُ» فهي لحظاتُ الإدراكِ، لحظاتُ الوعي التي تكسرُ خوفَنا.
هذا التوازنُ يُشكّل، في جوهرِه، فلسفتَها الوجوديةَ:
لا نورَ بلا ظلمةٍ، ولا حكمةَ بلا تجربةٍ مريرةٍ، ولا صعودَ بلا سقوطٍ سابقٍ.
الحربُ… شفقةُ العارفِ لا صخبُ السياسيِّ
في مقالتِها عن الحربِ، لا تلجأ مي إلى الخطابةِ الأخلاقيةِ، بل تقدّم رؤيةً إنسانيةً حزينةً:
الحربُ لا تُدمِّرُ البيوتَ فقط، بل تُخرِّبُ أرواحَ البشرِ.
تكتبُ عن الخوفِ والفراقِ والوحشةِ التي تتركُها المعاركُ في النفوسِ، وتدعو إلى نوعٍ من «التعاطفِ الشجاعِ» الذي يحاولُ تضميدَ ما مزّقتْه القوةُ العمياءُ.
صوتُها هنا صوتُ إنسانٍ يعرفُ أن الألمَ هو المادةُ الأولى التي تبني الوعيَ.
الأسلوبُ… بلاغةُ الهدوءِ وعمقُ الحكمةِ
أسلوبُ مي في «ظلماتٌ وأشعَةٌ» يختلفُ عن كثيرٍ من كتاباتِ المرحلةِ.
إنّه أسلوبُ البلاغةِ الهادئةِ:
لغةٌ لا تصرخُ، ولا تتزيّنُ بزخارفَ مجانيةٍ، بل تعتمدُ على صفاءِ الفكرةِ وموسيقى الجملِ القصيرةِ الرشيقةِ.
تبدو متأثرةً بالمقالةِ التأمليةِ الفرنسيةِ — خاصةً في البنيةِ الحواريةِ مع الذاتِ — لكنها تحتفظُ بروحٍ عربيةٍ شرقيةٍ تتوقُ إلى الحكمةِ.
هذا المزيجُ بين الوضوحِ الغربيِّ والعمقِ الشرقيِّ هو ما يمنحُ الكتابَ نبرةً فريدةً.
قراءةُ الحاضرِ… لماذا نحتاجُ «ظلماتٍ وأشعةٍ» اليومَ؟
في زمنٍ تغلبُ فيه الأضواءُ السطحيةُ على النورِ الداخليِّ، وتتصارعُ فيه الأصواتُ قبل أن تتضحَ الأفكارُ، يعودُ كتابُ مي ليُذكّرَنا بضرورةِ استعادةِ صمتِ التأمّلِ.
فهو لا يقدّمُ أجوبةً جاهزةً، بل يُضيء أسئلةً كبرى:
كيف نصنعُ النورَ من ظلماتِنا؟
كيف تتحوّلُ الحريةُ إلى مسؤوليةٍ؟
كيف يصبحُ الحبُّ والصداقةُ وطنًا للرّوحِ؟
إنّه كتابُ الإنسانيةِ العميقةِ، كتابُ الجرأةِ الهادئةِ، كتابُ امرأةٍ واجهت عصرَها ونفسَها في آنٍ واحدٍ، وكتبتْ رسالةً لا تزال حيّةً.
* كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني











12/09/2025 - 19:38 PM





Comments