كتب مفيد خطار
في الأَزْمِنَةِ القَدِيمَةِ، كانتِ الحياةُ الرُّوحِيَّةُ تَنْبُضُ من قلبِ الجَمَاعَةِ.
كانتِ اليَدُ الَّتِي تَعْمَلُ، والقَلْبُ الَّذِي يُحِبُّ، والصَّوْتُ الَّذِي يُصَلِّي، جُزْءًا من ليتورجيا يَوْمِيَّةٍ تُقَامُ فَوْقَ تُرَابِ الأَرْضِ.
وكانَ الإِنْسَانُ يَرَى خَطِيئَتَهُ بِوُضُوحٍ، ويَعْرِفُ كَيْفَ يَحْمِلُهَا إِلَى نُورِ المَغْفِرَةِ.
أَمَّا اليَوْمَ، فَقَد تَغَيَّرَ كُلُّ شَيْءٍ.
تَغَيَّرَتِ الأَرْضُ، وتَغَيَّرَ الإِنْسَانُ، ودَخَلَتِ التِّكْنُولُوجْيَا إِلَى أَدَقِّ تَفَاصِيلِ حَيَاتِنَا، حَتَّى أَصْبَحْنَا نَجْلِسُ وَحْدَنَا أَمَامَ شَاشَاتٍ مُضِيئَةٍ، نَبْحَثُ فِيهَا عَمَّا كُنَّا نَجِدُهُ قَدِيمًا فِي وُجُوهِ بَعْضِنَا.
حَلَّتِ الرُّوبُوتَاتُ مَكَانَ الأَيَادِي، وَصَارَتِ الخَوَارِزْمِيَّاتُ تُنَظِّمُ إِيقَاعَ يَوْمِنَا.
وفي هذَا العَالَمِ الرَّقْمِيِّ السَّرِيعِ، وُلِدَتْ أَخْطَاءٌ جَدِيدَةٌ:
أَنَانِيَّةٌ افْتِرَاضِيَّةٌ، وَسَرِقَةُ مَعْلُومَاتٍ، وَاسْتِغْلَالُ قُوَّةٍ لا تُرَى، وَغَفْلَةُ قَلْبٍ تَرَكَ أَخَاهُ خَلْفَ الشَّاشَةِ.
فَصَارَ الحُبُّ يَحْتَاجُ إِلَى وَعْيٍ أَكْبَرَ،
وَالْحَقُّ يَطْلُبُ جُرْأَةً أَعْمَقَ،
وَالْمَغْفِرَةُ تَفْتَحُ بَابًا لِصَبْرٍ رُوحِيٍّ يُثْبِتُ أَمَامَ سُرْعَةِ العَالَمِ.
وبَيْنَ “آلِهَةِ” اليَوْمِ — آلِهَةِ المَالِ، وَالسُّرْعَةِ، وَالمَعْلُومَةِ — يَبْقَى جَوْهَرُ الرُّوحَانِيَّةِ ثَابِتًا لا يَتَغَيَّرُ:
المَحَبَّةُ، وَالعَطَاءُ، وَالخِدْمَةُ، وَالخُضُوعُ لِمَشِيئَةِ اللهِ.
لَكِنَّ هذَا العَصْرَ لا يَدْعُونَا لِلْهَرَبِ، بَلْ يَطْلُبُ مِنَّا أَنْ نُعِيدَ اكْتِشَافَ الرُّوحَانِيَّةِ فِي أَشْكَالٍ جَدِيدَةٍ:
أَنْ تُصْبِحَ كُلُّ ضَغْطَةِ زِرٍّ فِعْلًا مَسْؤُولًا،
وَكُلُّ صَمْتٍ دَاخِلِيٍّ مِسَاحَةً لِلِّقَاءِ،
وَكُلُّ تَفْصِيلٍ رَقْمِيٍّ فُرْصَةً صَغِيرَةً لِلنُّورِ.
وَالْمُرْشِدُونَ الرُّوحِيُّونَ اليَوْمَ مَدْعُوُّونَ لِتَجْدِيدِ خِطَابِهِمْ؛
لَيْسَ لِتَغْيِيرِ جوهر الرِّسَالَةِ، بَلْ لِشَرْحِ كَيْفَ يُمْكِنُ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَعِيشَ المَحَبَّةَ فِي العُزْلَةِ الإِلِكْتُرُونِيَّةِ،
وَكَيْفَ يَخْدِمُ فِي زَمَنِ الآلَاتِ،
وَكَيْفَ يَغْفِرُ فِي عَالَمٍ تُسْرَقُ فِيهِ المَعْلُومَاتُ أَسْرَعَ مِنَ المَشَاعِرِ.
إِنَّ الحَيَاةَ الرُّوحِيَّةَ فِي عَصْرِ التِّكْنُولُوجْيَا لَيْسَتْ مُسْتَحِيلَةً؛
إِنَّهَا تَطْلُبُ فَقَطْ قَلْبًا وَاعِيًا يَنْظُرُ إِلَى العَالَمِ دُونَ خَوْفٍ،
وَيَرَى اللهَ فِي التَّفَاصِيلِ الصَّغِيرَةِ،
سَوَاءٌ كَانَ ضَوْءَ شَاشَةٍ، أَوْ لَحْظَةَ صَمْتٍ، أَوْ مَوْقِفًا بَسِيطًا يَكْتَشِفُ فِيهِ الإِنْسَانُ حَقِيقَةَ مَحَبَّتِهِ.
فَمَنْ يَفْتَّشُ عَنِ النُّورِ… يَجِدُهُ، وَلَوْ فِي بَارِدِ الضَّوْءِ الإِلِكْتُرُونِيِّ، إِذَا كَانَ قَلْبُهُ هُوَ المِصْبَاحُ.
خَرْبَشَاتُ طِفْلٍ – بِقَلَمِ الإِبْنِ الضَّالِّ إِذَا تَابَ












12/08/2025 - 13:38 PM





Comments