ربى ابو فاضل
مشاركة لحظات طفوليّة قد تتحوّل إلى تنمّر أو استغلال... هذا دور الذكاء الاصطناعي!!!
في زمن الشبكات المفتوحة وفضاء التواصل اللامحدود، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، نشارك عليها أدق تفاصيلنا الشخصية، بما في ذلك ما كان يعتبر يومًا من أخص الخصوصيات. ومع هذا الانغماس الرقمي، تراجعت الحدود الفاصلة بين العام والخاص، وأصبحت صور الأطفال تنتقل بين الشاشات بسرعة الضوء، دون أن يسأل الصغار أنفسهم إن كانوا يرغبون في الظهور.
صفحات الأهل عادة ما تعج بصور الأطفال منذ اللحظة الأولى لولادتهم، ليصبح الطفل مادة توثق وتنشر للعلن، دون وعي كامل بالمخاطر المحتملة، التي بدأ الخبراء يحذرون منها محليًا وعالميًا.
وفي هذا الإطار، نبهت صحيفة "واشنطن بوست" الأهل إلى أن مشاركة لحظات طفولية قد تتحول إلى مصدر أذى، عبر التنمر أو الاستغلال، خصوصا مع تطور أدوات التزييف العميق. وأوردت الصحيفة أمثلة واقعية، منها قيام طلاب في نيوجيرسي وواشنطن باستخدام الذكاء الاصطناعي، لإنتاج صور جنسية لزملائهم اعتمادًا على صور حقيقية. ووفق الباحث وائل عبد المجيد من جامعة جنوب كاليفورنيا، "يمكن لتطبيقات الذكاء الاصطناعي استغلال صورة واحدة لإنتاج محتوى ضار، وما ينشر على الإنترنت لا يمكن حذفه بالكامل، بسبب النسخ والتداول المستمر".
لا يقتصر الخطر على التنمر أو الاستغلال المباشر، بل يمتد إلى صعوبة التحكم بما ينشر على الإنترنت، واستمرار تداوله حتى بعد محاولة حذفه، وتشدد الكاتبة ديفورا هايتنر، مؤلفة كتاب النشأة في الأماكن العامة، على ضرورة منح الأطفال حق تقرير مصير صورهم، فيما توفر شركات التكنولوجيا أنظمة لإزالة المحتوى، لكنها ليست مضمونة ولا تشمل كل الحالات.
تعريض الاطفال لمخاطر كبيرة

المستشارة التربوية والنفسية في جمعية "إثراء لبنان" سمر رحمة،
أكدت أن "زمن وسائل التواصل الاجتماعي يحمل مخاطر حقيقية على الأطفال، خصوصا في ما يتعلق بنشر صورهم على الإنترنت"، وأضافت: "بعض الأسر لا تدرك أن مشاركة لحظات حياتهم الخاصة، قد تعرض أطفالهم لمخاطر كبيرة، إذ يمكن أن تصل الصور إلى أشخاص مجهولين أو عصابات إلكترونية تراقب تحركاتهم الشخصية، وتستغل التفاصيل لمهاجمتهم أو استهدافهم".
وأكدت أن "نشر صور الأطفال ليس مجرد مشاركة عابرة، بل قد يشكل بوابة للمخاطر والاستغلال الرقمي، ما يجعل اليقظة والتوجيه المستمر ضرورة لحمايتهم"، ورأت أن "الحفاظ على الخصوصية كعائلة وكأفراد أمر ضروري، وأن توعية الأطفال بأهمية حماية معلوماتهم الشخصية، والامتناع عن نشرها في أماكن عامة أو على الإنترنت، تعد خطوة أساسية لضمان سلامتهم".
كما أوضحت "أن نشر الصور على الإنترنت لا يجب أن يكون بلا هدف"، مشيرة إلى أن "بعض الصور قد تكون مضرة إذا كانت ذات محتوى غير لائق أو تزيد المخاطر الرقمية"، ورأت "أن الأهل يجب أن يكونوا قدوة إيجابية، بواسطة نشر محتوى صحي وهادف، مع الحفاظ على التوازن بين مشاركة اللحظات الحياتية، وحماية الأطفال من المخاطر الرقمية".
وحذرت من "استغلال الأطفال رقميا"، مشيرة إلى "أن بعض الأشخاص يستدرجون الأطفال تحت سن 18، لإرسال صور أو محتوى غير لائق عبر الإقناع واللعب على مشاعرهم، مثل الشعور بالاهتمام أو التعويض عن مشاعر الرفض، هذه الحالات قد تؤدي إلى أضرار نفسية خطرة أحيانا، تصل حد الانتحار"، لذا شددت على "أهمية التوعية المستمرة للأطفال والأهل، وإرشادهم حول كيفية متابعة الحسابات الرقمية للأطفال دون التضييق على حريتهم"، وأوضحت أن "بعض الدول بدأت تحظر استخدام مواقع التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن معينة، ما يعكس حجم الخطر والاستغلال، الذي قد يتعرضون له على الإنترنت".
التنمر والسخرية
بدورها، أكدت اختصاصية علم النفس التربوي، التي فضلت عدم الكشف عن اسمها، أن ما ينشر اليوم عن الطفل، "يشكل جزءا من هويته الرقمية المستقبلية، وقد يكتشف الطفل عند كبره صورا محرجة أو شخصية نشرت عنه دون إذنه، ما يؤدي إلى شعوره بالإحراج، وانتهاك خصوصيته، وتكوين صورة ذاتية هشة، ويجعله أكثر عرضة للتنمر والسخرية في مرحلة المراهقة، كما يحرم الطفل من حقه الطبيعي في الخصوصية والتجربة الحرة والخطأ".
وأوضحت أنه لتجنب المخاطر"على الأهل استئذان الطفل إذا كان واعيًا، وتجنب عرض ملامحه بوضوح أو نشر لحظات خاصة، مثل البكاء أو في الحمام أو السرير، بالإضافة إلى طمس الخلفيات والمواقع الجغرافية، وتجنب ذكر اسم المدرسة أو مكان السكن، وفصل الحياة الخاصة عن المحتوى العام حتى لو كانت الصفحات شخصية، ويمكن الاحتفاظ بذكريات الأطفال بطرق أكثر أمانا مثل الألبومات الخاصة، التخزين السحابي، أو الأجهزة الشخصية المحمية".
العالم الرقمي ليس آمنًا
وتقول "إلى جانب الخصوصية، هناك استغلال تجاري للأطفال، إذ يحول بعض الأهالي أطفالهم إلى أدوات تسويق عبر صفحات عائلية، تروج لمنتجات وألعاب ومستحضرات تجميل، ليصبح الطفل وجها جذابًا لجذب المتابعين، دون حماية قانونية أو ضمانات لمستقبله". ووفق خبير في الإعلام الرقمي، هناك أطفال يحققون شهرة وأرباحا تفوق مشاهير البالغين".
وتتابع "لا تتوقف مشكلة نشر الصور عند الخصوصية أو الاستغلال التجاري، فالعالم الرقمي ليس آمنا، فصور الأطفال قد تستخدم في الاستغلال الجنسي، أو في التلاعب بالوجه عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث يمكن دمج وجه الطفل في محتوى لم يظهر فيه قط". ويحذر خبراء الجرائم الإلكترونية من أن "أي صورة لطفل يمكن إعادة إنتاجها أو تعديلها أو بيعها خلال ثوان، وما ينشر على الإنترنت لا يعود إلى صاحبه يوما".
وأضافت رحمة "تأتي أهمية الدور القانوني والمؤسساتي في حماية الأطفال، فالقانون اللبناني موجود، وتبذل الجهات الأمنية والمدارس جهوداً كبيرة للتوعية حول التنمر الإلكتروني والتحرش الرقمي، وتزويد التلامذة وأولياء الأمور بالمعلومات اللازمة، لمعرفة الجهة المسؤولة عن معالجة أي اعتداء إلكتروني، ما يساهم في الحد من هذه الظواهر".
واكدت "أن الأمن العام يتولى مسؤولية هذا الملف، مع فرق متخصصة في المعلوماتية لمراقبة الشبكات والتواصل مع الضحايا، وأن الحملات التوعوية تشمل وزارات مثل وزارة الشؤون الاجتماعية، ومنظمة اليونيسف، والعديد من المؤسسات التي تضع سياسات واضحة لحماية الأطفال على الإنترنت".
لوضع نص قانوني يحدّ من نشر صور الأطفال
مصدر قانوني أكد أن "القانون اللبناني لا يوفر حماية كاملة للأطفال في ما يخص نشر صورهم من قبل الأهل، إذ لا يوجد تشريع صريح يحظر ذلك، والمساحة الرمادية واسعة، ولا توجد آلية واضحة لمحاسبة الأهل عند حدوث أذى نفسي مستقبلي، كما أن الطفل لا يملك القدرة القانونية على الاعتراض أو إزالة صوره".
ويؤكد المصدر على "ضرورة وضع نص قانوني يحد من نشر صور الأطفال ويجعل موافقتهم شرطًا أساسيًا عند بلوغ سن معين، إلى جانب إطلاق حملات توعية في المدارس ومنصات التواصل، ومراقبة الحسابات التي تستغل الأطفال تجاريا، وتقديم تدريب نفسي وإرشادي للأهل، وإدراج التربية الرقمية ضمن المناهج الرسمية، ليكتمل بذلك إطار حماية الطفل بين التوعية القانونية والممارسة الواقعية".
إذاً قبل أن تضغط "نشر"... اسأل نفسك: هل سيرضى طفلك أن يعيش طفولته أمام العالم؟ جيل اليوم يستحق الطفولة بصورتها الأصلية، مساحات آمنة للعب، للخطأ، وللنمو بعيدًا عن حكم الآخرين وضجيج المتابعين، فالطفل ليس مشروع "محتوى" ولا بطاقة تعريف إلكترونية.












12/07/2025 - 08:06 AM





Comments