بين كانونين… سافر يا شقي

12/07/2025 - 07:01 AM

Prestige Jewelry

 

 

م. مدحت الخطيب 

 

مع كل شتوة تدخل علينا، أشعر أن السماء تُعيد فتح صندوقٍ قديمٍ خبّأت فيه أجمل ما عشته وأكثر ما أوجعني في هذه الحياة.

يتساقط المطر بالنسبة لي ليس ماءً ينزل من الغيم ليسقي الأرض والزرع، بل ذاكرة كاملة تفتح أبوابها، لتعود بي إلى أكثر من عشرين عاماً، إلى تلك الأيام التي بدأت فيها طريقي نحو العمل في مطار الملكة علياء وأيام الدراسة في الجامعة، يوم كان الشتاء امتحاناً حقيقياً لا يعرف لينا ولا هوادة… كان امتحاناً يبدأ قبل الفجر وينتهي عند أبواب التعب آخر النهار.

كنت أغادر قبل صلاة الفجر، لا أحمل معي إلا برد الطريق وإصرار شابٍ طلب العُلا، لا يريد أن يتأخر عن عمله وتحقيق مستقبل أراده لنفسه.

لم تكن الرحلة الحقيقية رحلتي لوحدي، بل رحلة أمي، عليها رحمة الله، فهي من كانت تستيقظ قبل الموعد بساعات، كانت تراقب حركة السيارات وتميّز باص أبو عدنان عن باص أبو فراس، كانت تتهيأ وكأنها هي التي ستسافر، لا تغادر نافذتها، لا ترتاح، لا تتنهّد، ولا تتذمّر حتى تسمع صوتي يقول: "وصلت يمّه، ارجعي نامي ساعةً قبل أن يبدأ يومك الجديد في خدمة أبي، أمدّ الله في عمره، وإخواني، فلكل منهم قصة أخرى مع الجامعات والمدارس."

ما زال صدى عبارتها يتردد في أذني كأنها قالتها هذا الصباح: "بين كانونين… سافر يا شقي." أمي لم تكن مثل باقي النساء… كانت تحمل قلق العالم كله لوحدها، كانت خَفَرًا على هيئة إنسانة، كانت تملك قلباً يسع خوف الدنيا بأكملها. تقف خلف زجاج نافذة معتمة، تراقب الشارع الذي لم يكن يرحم أحداً في تلك الليالي من شدة الظلام، وتشدّ على الطريق بالدعاء أكثر مما كنت أشدّ يدي على الحقيبة.

اليوم، يمّه، مع أوّل ساعات الفجر وقطرة مطر، شعرت أن كل ذلك يعود دفعة واحدة. عاد بنور وجهك الوضّاء، وجه أمي الذي أشرقت منه الشمس، عاد بقلقها، عاد بدفئها الذي كان يهزم برد كانون.

نعم، تغيّرت حياتنا للأفضل، يمّه. توسعت الطرق، وامتلكنا السيارات، واستقرت بي الحياة في العاصمة، وعلى رأيك صرت "أكابري عماني"، وبشم نفس الهوا اللي بشمّه الملك. نعم، صارت السيارات أسرع، والظروف أسهل… لكن شيئاً واحداً بقي كما هو: ذلك الفراغ الذي لا يملأه شيء بعد رحيل الأم.

صدقوني، رحلت أمي وهي لا تطلب من الدنيا إلا سلامتنا. رحلت رغم تعبها، وهي تردد دعاءها الذي كان يكفي لحماية مدينة بأكملها:

"شوفاتهم بالدروب ولا حسراتهم بالمقلوب… ربي لا يشعث حدا فيكم."

كانت تترافع يومياً أمام محكمة الحياة بهذا القسم الذي لا يشبه إلا قسم أمهاتنا: "الشوكة اللي بدها تيجي بإصبع واحد فيكم… تدخل بصبّي عيني." نعم، كبرنا وتغيّر كل شيء، لكن قلب الأم لا يغيّره الزمن، ولا يمحوه الغياب.

هناك دعوات تظل تحرسك حتى بعد أن يُغطّي التراب أصحابها. وهناك حنين يشتدّ كلما نزل المطر، كأنه يقول لك: بعض الرحيل لا يُنسى… وبعض الأمهات لا يغيبن مهما غبن…

في هذه الأيام المباركة، ربي أنزل على قبر أمي وأمواتنا جميعاً رحمة واسعة،

اللهم أسقِ قبور موتانا غيثاً ترتوي به تربتهم، واجعل قبورهم بردًا وسلاماً إلى يوم يُبعثون.

 

 

[email protected]

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment