اميرة العسلي
جفّت الأقلام، وتمزّقت ملفات الورق، وأغلقت دور النشر والمطابع أبوابها، وتقاعد الكتّاب والصحفيون في أعمار مبكرة.
صحافي معروف دخل معترك الصحافة في سن مبكرة، وما إن بدأ يفرز عصارة أفكاره ولمع اسمه في العديد من المجلات والصحف، حتى راودته صيحة اليقظة في الكتابة، فاستقال من عمله بعد أن أغلقت الصحافة مكاتبها. جلس يفكر: ماذا بعد؟ لم يلبث حتى لزم زاوية البيت، يبحث عن بقايا مقالات وقصص يقرؤها، لعلّه يستعيد نزوة الشهرة. لكنه سرعان ما أخفق في قطف ثمرة أعماله التي انتشرت في أنحاء العالم، ثم أخذ ينتقل إلى الشعور بالإحباط بصبر وهدوء، بعدما ملأ الفراغ روعة أفكاره التي طالما شغلت القرّاء وأقلقت المسؤولين.
لم يعد لديه سوى بضع ذكريات جميلة يستعيدها كلما حمله الحنين إليها، ذكرياتٌ أبى أن ينشرها، فبقيت عنوانًا للوفاء للقلم وما كان يسطره في خاطره. رغم ذلك، فهو ما زال بأفضل حال مقارنة بصديقه الحميم ورفيق الكلمة والقلم، إذ غدر به الزمن بعد أن تخلى عنه أقرب الناس إليه؛ تركوه وحيدًا في دار المسنين، لا أحد يعترف بفضله أو يقدّر أعماله التي كانت من أهم روائع العصر الذهبي الذي كان ينتمي إليه آنذاك.
أما صديقه الآخر، فها هو يجلس في مقاهي شارع الحمرا في مدينة بيروت الصامدة، ويتسكع في الأزقة، لا يلتفت إليه أحد، ولا يُلقى عليه السلام، بعد أن كان الناس يتهافتون للسلام عليه أو لاقتناص فرصة لمقابلة خاصة معه.
أما صديقه الذي كان أول من درّبه على الصحافة وأرشده إلى طريق الإبداع الفكري، فقد أصبح اليوم متشرّدًا بلا مأوى، يفترش أرصفة الأزقة الضيقة التي لا يعرفه فيها أحد؛ قد يستغرب الناس حاله أو يسخرون منه، أو ينظرون إليه بشفقة، فيحسنون إليه ببعض النقود التي ربما تكفيه قوت يوم كامل.
ماذا يحصل في العالم؟! هذا حال بعض أرباب الصحافة والقلم.
أمّا أبواب التجارة المفتوحة، فقد باتت شبه مغلقة، ولم تعد مجدية؛ فما إن تُفتح حتى تُغلق. ولم تعد التجارة تلك المهنة المباركة التي عمل بها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وبارك الله فيها. فقد أصبحت الأسواق المكدَّسة بالبضائع المستوردة ذات العلامات التجارية المعروفة والماركات الشهيرة من علامات الإفلاس والانهيار المعنوي والمادي لأصحابها المنكوبين.
لم يعد لنوعية البضائع تأثير في أرباح المحل، ولا لجودة الملابس أثر في حركة الشراء. وباتت المتاجر الوهمية على الإنترنت هي البديل، بل الأساس، وأصبحت المحلات عبئًا على أصحابها، بعدما التهمت المتاجر الإلكترونية ــ تلك "الضباع غير المرئية" ــ كل شيء. فقد اعتاد الزبائن على الخمول، وأصبح الخروج للبحث عن المشتريات أمرًا صعبًا، طالما أصبح باستطاعتهم طلب مشترياتهم عبر الإنترنت. ولم يكن حال التجار وأصحاب المحلات أفضل من حال الصحفيين والكتّاب.
أما أصحاب المطاعم، فحدّث ولا حرج؛ فقد أصبحت كلفة وجبة الغداء في المطعم لأفراد العائلة تساوي نصف مدخول الفرد الشهري المتوسط تقريبًا. أما أصحاب المطاعم والموظفون والطهاة، فلم يعد لديهم الشعور بالأمان والاستقرار، إذ باتت أبواب الرزق عندهم توشك أن تُغلق بسبب وجبة "الديليفري" البلاء الخفي، وما سبّبه من كسل وخمول.
كما أصبح الأطباء والعاملون في السلك الصحي هم المستفيدين بالمركز الأول، بسبب تردّي الوضع الصحي للناس عامة، نتيجة انعدام النشاط الجسدي والفكري، واتجاههم للجلوس الدائم، للتركيز والتواصل مع مواقع التواصل الاجتماعي، بانتظار وصول "الديليفري".












12/07/2025 - 06:47 AM





Comments