مفيد خطّار
ما زال الإنسان يمتَهِن حياة العبودية، ولكن عبادته اليوم لا تُمارَس بالسوط ولا بالسلاسل، بل تُمارَس بالوهم؛ بإتقانٍ خفي يقنعه أنه سيد نفسه وهو أبعد ما يكون عن السيادة.
في الماضي، كان العبد يُؤخذ بالقوة، أما اليوم فيمشي الإنسان إلى عبوديته على قدميه، يظنها حرية، وهي في الحقيقة قيد متقن الصنع.
يستيقظ كل صباح ليُطْعِم صنمًا جديدًا: مرة اسمه «النجاح»، ومرة «الظهور»، ومرة «الرأي العام». يُسَلِّم قلبه لآلة تُديره باسم «التقدم»، فتغذّيه بالأخبار، وترسم له شكل ابتسامته، وطريقة حزنه، وما يجب أن يُحبه أو يكرهه.
هو عبد لا يعرف أنه عبد. يسير في شارع مزدحم، ولكن خطواته مُقيَّدة إلى هاتف صغير، يمسك به كما يمسك الطفل بيد أمه، وكأن فيه خلاصه. ولكن العبد الحقيقي لا يكون من يحمل قيده، بل من يعشقه ويدافع عنه.
كم هو غريب هذا المخلوق الذي خُلق على صورة الله، ثم رضي أن يعيش على صورة الإعلان! خُلق للحرية، ولكنه يطلب السجن بعينيه، ويُقبِّل بابه وهو يظن أنه باب «تحقُّق».
العبودية القديمة كانت تُكسر بالمقاومة، أما عبودية اليوم فلا تُكسر إلا بالوعي: أن يرى الإنسان قيده، أن يسمّي عبادته باسمها الحقيقي، أن يعترف بأن ما يعبده ليس تقدّمًا ولا حرية، بل ذاته المشّتتة التي تثقله أكثر مما تطلقه.
وفي زمن يتسارع فيه التقدم التقني، يبقى الخطر الأعظم أن تتحول الأدوات التي صُنعت لخدمتنا إلى أسياد جدد. فالتقنية التي لا تخدم الإنسان ولا ترفع من كرامته، ولا تعمل للخير العام، تصير شرًّا مغلَّفًا… وعبوديةً مقنّعةً بنور كاذب.
فالذي يعبد نفسه يسقط تحت ثقلها. والذي يجعل رأيه مقياسًا للحق، يبقى دائمًا في فلك شهواته، والذي يقدس مشاعره كأنها وحي، يُصاب بعطش لا ينتهي.
الحرية لا تُشترى، ولا تُمنح من أنظمة أو شعارات؛ هي ولادة في الداخل، واستعادة لذلك «الصوت الأول» حين قال الله للإنسان: «كُنْ على صورتي ومثالي».
لكن الصورة تشوّهت، والمثال انكسر، لأن الإنسان لم يعد يسجد إلا لنفسه. ومن يسجد لنفسه لا يرى سوى ظله، ولا يسمع إلا صدى حيرته.
يا من تبحث عن الحرية، ارجع إلى قلبك. هناك، في صمتٍ لا يراه أحد، تنتظرك السيادة الحقيقية: أن تكون عبدًا لله وحده، فتغدو سيدًا على كل شيء سواه.
حينئذٍ فقط، تتحرر من كل ما يُقيّدك، وتعلم أن الحرّ لا يحتاج إلى جمهور يُصفّق له، بل إلى رب يناديه في الخفاء، وإلى خطوة صادقة نحو الداخل… فهناك يبدأ التحرر، ومن هناك تتم الولادة الجديدة.
* خربشات طفل – بقلم الإبن الضال … إذا تاب.












12/06/2025 - 06:32 AM





Comments