د. اسماعيل المسلماني *
يُعدّ “كيّ الوعي” من أكثر الأدوات السيكولوجية حضورًا في منظومة السيطرة التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، وهو يستند إلى إعادة تشكيل الإدراك الجمعي للفلسطينيين بصورة تُضعف ثقتهم بقدرتهم على التغيير. يتم ذلك عبر دمج القوة العسكرية بالعنف الرمزي والضغوط النفسية المتواصلة، بحيث يتحوّل الاحتلال من واقع مادي يمكن مقاومته إلى حالة ذهنية مستقرة يُعاد إنتاجها يوميًا. فسياسات الاقتحامات الليلية، وانتشار القوات في المجال المدني، والعقاب الجماعي عبر الحصار والهدم، تُسهم في نشر شعور دائم بالتهديد، وهو أحد أهم آليات توليد حالة اللايقين النفسي. هذا المناخ القائم على الرهبة يُحدث اهتزازًا في الإحساس بالأمان، ويُمهّد لولادة وعي منقوص يميل إلى التكيّف القسري مع شروط القوة.
ويتعزّز كيّ الوعي عبر السيطرة على السردية وتوجيه الخطاب السياسي والأمني بما يخدم نزع الشرعية عن الهوية الوطنية الفلسطينية. فتصوير الفلسطيني إما كتهديد وجودي أو كطرف غير قادر على إدارة ذاته يُستخدم لترسيخ قناعة بأن الاحتلال “ضرورة أمنية” لا بديل عنها، وبأن المقاومة غير مجدية. كما تمارس الإجراءات اليومية على الحواجز وسياسات الإذلال الفردي والجماعي وظيفة نفسية هدفها تكريس حضور الاحتلال في كل تفصيلة من تفاصيل الحياة، بحيث يشعر الفرد بأن تحركاته ومصيره خاضعان بالكامل لسلطة عليا. هذا التغلغل في الحياة اليومية ينتج ما تسميه الأدبيات النفسية بـ“العجز المكتسب”، حيث تؤدي التجارب المتكررة للقمع إلى تبنّي تصورات سلبية حول القدرة على الفعل، وإلى قبول الواقع باعتباره غير قابل للتغيير.
ورغم قوة هذه الاستراتيجيات، فإن صمود المجتمع الفلسطيني يمثّل تحديًا بنيويًا لفاعلية كيّ الوعي. فقد أسهمت الذاكرة الجمعية، ورأس المال الاجتماعي المرتكز على التضامن العائلي والمجتمعي، وشبكات الدعم المتبادل، في بناء طاقة مقاومة سيكولوجية تمنع الانهيار النفسي. إن وجود روابط اجتماعية قوية يُعزّز الشعور بالمعنى والانتماء، ويُعيد تركيز الوعي على الهوية الوطنية بوصفها إطارًا للحماية والصمود. كما أن الثقافة الوطنية، والحضور المستمر للمقاومة السياسية والشعبية، تسهم في استعادة الإحساس بالقدرة على التأثير وفي إبطال محاولات الاحتلال فرض وعي بديل. وبذلك يصبح الوعي ذاته ميدانًا للصراع، حيث يعمل الفلسطينيون على إنتاج مقاومة معرفية تحفظ الهوية وتُفشل محاولات تفكيك الذات الجماعية.
* مختص بالشان الإسرائيلي












12/06/2025 - 06:13 AM





Comments