عامٌ على سقوط الأسد: بين نهاية الطاغية وتحصين الدولة

12/06/2025 - 06:06 AM

Bt adv

 

 

 

معتز فخرالدين

تمرّ الذكرى الأولى لسقوط بشار الأسد، وهي لحظة فارقة لم تعد مجرد نهاية حاكم دموي، بل انهيار نموذج حكم قائم على الترويع والطائفية والارتهان الخارجي. سنة واحدة فقط كانت كافية لتكشف أن سقوط الأسد لم يكن حدثًا عابرًا، بل زلزالًا سياسيًا وأخلاقيًا أعاد رسم أسئلة الدولة، المجتمع، والهوية الوطنية.

ومنذ اللحظة الأولى، بدا واضحًا أن الزمن السوري انفتح على مرحلة جديدة، مرحلة لا تُقاس بزوال شخص، بل بانهيار منظومة حكم أرادت جعل الخوف قدرًا لا يُكسر.

 

1. عهد الاستبداد: إنتاج الخوف وتفكيك الدولة

على مدى أكثر من عشرين عامًا، حكم الأسد الابن بمنطق السلطة المحمية بالجهاز الأمني لا بمنطق الدولة. تحكم النظام في المجتمع والجيش والسياسة، واستثمر الخوف وسيلة لإدارة السلطة. الثورة السورية لم تكن احتجاجًا على فساد أو تعسف فحسب، بل رفضًا جذريًا لبنية حكم قامت على إلغاء الإنسان ومصادرة حقوقه الأساسية.

الدرس السياسي البديهي: انهيار الاستبداد لا يقتصر على إسقاط رأس النظام، بل يتطلب تفكيك شبكة التحكم التي استمرت لعقود. ومع ذلك، لم يقتصر تأثير هذا الانهيار على السلطة وحدها، بل امتد إلى المجتمع كله، مما يفرض أن يكون تحصين الداخل السوري ركيزة أساسية لتحصين الدولة.

 

2. سنة ما بعد السقوط: انكشاف الخراب وتحصين الداخل

سقوط الأسد كشف مؤسسات منهارة، دولة مجوّفة، مجتمعًا مثخنًا بالتهجير والذكريات الجريحة. مع ذلك، بدأت تظهر إشارات حياة سياسية ومجتمعية: نقاش عام يعود، فضاء مدني يتوسع، وإحساس أولي بأن الدولة يجب أن تُستعاد كملكية عامة لا كامتياز عائلي.

تحصين الداخل السوري عبر إعادة بناء الثقة بين المواطنين وتعزيز الحوار بين المكونات المختلفة ليس مجرد مطلب اجتماعي، بل هو أداة استراتيجية لتحصين الدولة نفسها أمام أي محاولة لإعادة إنتاج الخوف أو الهيمنة الاستبدادية.

 

3. البعد الإقليمي والدولي: فرصة وتعقيد

مع سقوط الأسد، تتاح لسوريا فرصة لإعادة تموضعها الطبيعي في قلب العالم العربي بعد عقود من الانحياز الجزئي لمحور إيران، الذي هيمن على القرار السوري سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا. لكن هذه العودة ليست سهلة، إذ يتشابك النفوذ الروسي، التدخلات الإسرائيلية، الدور التركي، وامتدادات الحرب في لبنان وفلسطين.

من هذا المنطلق، يصبح واضحًا أن تحصين الداخل الوطني مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالقدرة على إدارة التوازنات الإقليمية: استعادة استقلال القرار الوطني وضمان أن أي تحالف خارجي لا يهيمن على خيارات سوريا، والموازنة بين القوى الإقليمية لضمان أمنها واستقرارها الداخلي.

 

4. الدرس الكبير: إسقاط الطاغية لا يعني إسقاط الطغيان

سقوط الأسد فتح الطريق، لكنه لم يكمل المسار. الاستبداد قد يعيد تشكيل نفسه بأقنعة جديدة. التحدي الحقيقي اليوم ليس الاحتفال بزوال الطاغية، بل تحصين المرحلة الجديدة من ارتداد المنظومة القديمة.

الدولة التي يريدها السوريون لا تُبنى على مجرد إسقاط الديكتاتور، بل على:

• مشروع وطني جامع

• عقد اجتماعي جديد

• مؤسسات حيادية قادرة على مواجهة إعادة إنتاج الخوف

• عدالة انتقالية تعيد للمواطن كرامته وتاريخه

إن تحصين الداخل السوري عبر المصالحة الوطنية وإعادة بناء الثقة، هو المفتاح لضمان تحصين الدولة وحماية الجمهورية الجديدة من أي تهديد داخلي أو خارجي.

 

5. تحصين الداخل وبناء جسور الثقة: القانون والديمقراطية

عملية التحصين الداخلي لا تقتصر على معالجة الانقسامات الاجتماعية، بل تشمل إطارًا قانونيًا وديمقراطيًا واضحًا يضمن الحقوق والمشاركة الحقيقية لكل المواطنين. من أبرز الآليات:

1. العدالة الانتقالية: التحقيق في الانتهاكات السابقة ومحاسبة المسؤولين لضمان عدم الإفلات من العقاب واستعادة الثقة بالقانون والدولة.

2. الحوار الوطني الشامل: فتح مساحات للنقاش بين مختلف المكونات الاجتماعية والطائفية لتحديد الحقوق والواجبات وتحقيق تفاهمات وطنية.

3. إصلاح المؤسسات: إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس حيادية وشفافية، بما يضمن خدمة متساوية لكل المواطنين.

4. الدستور وقانون الأحزاب: وضع دستور جديد يحمي الحقوق والحريات، ويكفل التعددية السياسية، مع السماح بقانون أحزاب يتيح مشاركة سياسية حقيقية.

5. تعزيز المجتمع المدني: دعم منظمات الشباب والنساء والمبادرات المحلية لتكون شبكة توازن بين الدولة والمواطنين وتعزز المساءلة.

6. مشاريع إعادة الإعمار والاقتصاد المحلي: تنفيذ مشاريع مشتركة تعود بالنفع على جميع المكونات لتقليل الفجوات الاقتصادية والمناطقية وتعزيز الانسجام الاجتماعي.

بهذه الخطوات، يصبح التحصين الداخلي واقعًا ملموسًا، ويترابط مباشرة مع تحصين الدولة واستدامة الجمهورية الجديدة.

 

6. المصالحة الوطنية وإدارة الانقسامات

تحديات سوريا بعد سقوط الأسد تشمل تجزئة المجتمع وفقدان الثقة بين المكونات. عقود من الصراع والتهجير والاستبداد خلّفت هويات فرعية متصارعة.

إعادة توحيد النسيج الاجتماعي والمصالحة بين الفئات المختلفة ليست خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل شرط أساسي لاستقرار الدولة الجديدة. تحصين الداخل عبر المصالحة الوطنية واستعادة الثقة هو شرط مباشر لتحصين الدولة وضمان قدرتها على مواجهة أي تحديات إقليمية أو داخلية مستقبلية.

 

الخاتمة: سوريا بين الانتصار على الطاغية وتحصين الدولة

بعد عام على سقوط الطاغية، تتكرّس حقيقة أساسية: الشعوب حين تنكسر فيها هيبة الخوف، تسقط ما كان يُظنّ أنه ثابت، لكنها تواجه امتحانًا صعبًا في كيفية بناء مرحلة ما بعد الأسد.

سوريا اليوم أمام صفحة بيضاء تطلب من أبنائها أن يكتبوا عليها ما يريدون أن يكونوا عليه، لا ما فُرض عليهم. السؤال لم يعد: كيف سقط الأسد؟ بل: كيف نحمي ما بعد سقوطه من الارتداد، وكيف نصوغ جمهورية جديدة لا يُهدّدها طاغية محتمل؟

ليس سقوط الأسد نهاية الحكاية… بل بداية مرحلة جديدة، تتطلب حرية ومسؤولية، موازنة بين الداخل والخارج، مع إعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس المواطنة وسيادة القرار الوطني.

تحصين الداخل هو تحصين الدولة، وتحصين الدولة هو ضمان استمرار الجمهورية الجديدة.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment