أحمد عبدالفتاح خيري
هناك صمت لا يسمع، لكنه يرى، ووجع لا نبوح به، لكنه يتجلى بلا موعد. في العلاقات الإنسانية، خاصة بين الزوجين، يحدث أن يتكلم الجسد حين يسكت اللسان، ويتحول إلى مرآة تظهر ما حاول القلب إخفاءه طويلًا؛ فالجسد لا يعرف المواربة، ولا يجيد وضع الأقنعة، ولا يستطيع الوقوف بثبات فوق أرض تهتز تحتها المشاعر.
في لحظات القرب، يطفو ما هو أعمق من الكلام: ارتباك غير مفهوم، رغبة متقطعة، اقتراب مرتبك، أو نفور لا تفسير منطقي له، كلها رسائل صامتة لكنها صادقة، تظهر حين تختنق المصارحة ويتراكم ما ظن الطرفان أنه طُوي في الماضي؛ فالعلاقة لا تنهار فجأة، بل تتآكل تدريجيًا، تبدأ من الضغوط النفسية وتحديات الحياة اليومية وما يطرأ من تغيّرات داخل الإنسان، ومع انكماش مساحة الحوار يبدأ الجسد في التعبير وكأنه يقول: "هناك شيء لم يعد يحتمل".
وحين يتسع الشرخ بين الزوجين، يصبح الجسد آخر ما ينهار، قد يبتسمان للناس، وقد يواجهان أعباء الحياة جنبًا إلى جنب، لكن حين يقترب أحدهما من الآخر، ينكشف ما تم إخفاؤه: الصمت، الجرح، الخذلان، والوجع الذي لا يعترف به أحد. وهنا تظهر صور كثيرة تقود لانهيار العلاقة من الداخل، لا لأنها خلل عابر، بل لأنها تمس جوهرها وروحها.
من هذه الصور، أن تستخدم المرأة العلاقة الخاصة كوسيلة ضغط، تمنحها حين تشاء وتحجبها حين تغضب، فيتحول القرب إلى مكافأة أو عقوبة، ومع الوقت لا يشعر الرجل أنه مرغوب فيه، بل مطارد بمطالب لا تنتهي؛ فيبدأ بالنفور، لا لأن الحب انتهى، ولكن لأن الكرامة جرحت؛ فالعلاقة التي تُفرض بالقهر لا تُشبِع، والتي تُقدّم بشروط لا تُحترَم.
وفي المقابل، يستخدم بعض الرجال العلاقة بجمود قاسٍ، وكأنها حق مكتسب لا يلغيه تعب الزوجة ولا حالتها النفسية. يضغط، يفرض، ولا يرى أن الجسد يستجيب بالمشاعر قبل الحركة، ومع الأيام يتحوّل جسد الزوجة إلى جدار صامت، لا لأن رغبتها قليلة، بل لأن الأمان غائب؛ فالاقتراب يصبح خوفًا، والمشاركة عبئًا، والرغبة جداراً صامد.
والحقيقة التي نتغافل عنها أن الرجل والمرأة يتشابهان إلى حد كبير في هذا السياق، كلاهما ينفر، يتألم، ينسحب، ويتجمد حين يشعر بالضغط أو الإهانة أو الغياب العاطفي؛ فالنفور ليس ظاهرة تخص طرفًا دون آخر، بل رد فعل إنساني طبيعي على علاقة فقدت روحها.
ومع كل ذلك، يبقى التقصير العاطفي هو الشرخ الأول الذي يسبق انهيار الجسد. حين لا يسمع الرجل زوجته في أوقاتها الصعبة، أو لا تمنح الزوجة زوجها كلمة تحتويه في أزماته، يصبح الصمت واديًا بينهما. الجسد هنا لا يتجاوب لأنه منهك، لأن الدعم العاطفي الذي يوقظ الرغبة غائب، وقد يحدث أن يقترب أحدهما من الآخر، لكن الجسد ينسحب تلقائيًا وكأنه يقول: "أنا لم أعد أحتمل مزيدًا من التجاهل".
ثم تأتي الخيانة، الزلزال الذي يضرب الجسد والقلب معًا، الخيانة ليست مجرد خطأ عابر، إنها ارتجاج في قيمة الإنسان داخل نفسه. في المجتمعات الشرقية تحديدًا، تتلقى المرأة الخيانة بجرح يمس أنوثتها وثقتها بذاتها، معلنه قرار الرحيل، وزوجة أخرى تصفح وتسامح، ولكن حين تقترب يدها ترتجف، وقلبها ينغلق، وجسدها يقاوم لأن الذاكرة لم تشف بعد. على الجانب الآخر، حين يُخدع الرجل يشعر أن صورته الداخلية تكسّرت، لكن الفارق أن معظم الرجال في مجتمعاتنا لا يتقبلون خيانة زوجاتهم إطلاقًا، لأنهم يعتبرونها خطًا أحمر لا يغتفر، ولذلك تنتهي العلاقة غالبًا بلا رجعة، ومع ذلك تبقى الحقيقة أن الجسد لا يكذب أبدًا، ينسحب، يرتعش، ينفر، لأنه لا يستطيع أن يتجاوز ما جرى بسهولة.
وقد تظهر الغيرة المفرطة فتخنق العلاقة؛ فالغيرة الطبيعية تحفظ الحب، أما حين تتضخم، تتحول إلى قيد يضغط حتى يذبل العطاء، ومع الضغوط المستمرة يتجسد الضغط في لغة الجسد: انغلاق، برود، ابتعاد، وكأن الجسد يحمي نفسه من الإرهاق النفسي.
ثم تأتي الأنانية لتختزل العلاقة في "أنا"، حيث زوج يرى نفسه مركز الكون، أو زوجة لا تفكر إلا في احتياجاتها، ومع الوقت يفقد الجسد رغبته في العطاء، لأن العطاء لا يولد تحت القهر، ولا ينمو داخل علاقة تستنزف أكثر مما تمنح.
وهكذا يظل الجسد شاهدًا لا يمكن إسكاته. العقل يبرر، والقلب يحاول أن يغفر، لكن الجسد لا يجامل، بل ينسحب، يرفض، ينفر، إنه يتكلم حين يعجز صاحبه عن الكلام، ويعترف حين يخاف الطرفان من الاعتراف، ولهذا يصبح الجسد في كثير من الأحيان أول من يكشف خراب العلاقة، ذلك الخراب الذي يبدأ بصمت صغير، ثم يكبر حتى يبتلع كل ما هو جميل.
ترميم العلاقة لا يبدأ من غرفة، ولا تعيده ليلة واحدة، بل يبدأ من كلمة صادقة، ومن حوار نقي، ومن استماع بلا مقاطعة، ومن رحمة تداوي الشقوق، ومن احترام يعيد الثقة إلى موضعها الطبيعي. مودةٌ تبعث من جديد، وعلاقة تنقذ من الانكسار، وقلب يتعلم كيف يحب دون أن يؤذي، وكيف يقترب دون أن يخشى الفقد؛ فليس كل ما ينكسر يُرمَّم سريعًا، لكن كل ما يُرمَّم بصدق، يعود أقوى مما كان.
وأخيرًا رأيي واضح: لا تستخدم جسدك للسيطرة، ولا تستخدم جسد شريكك لإثبات قوة، ولا تسمح بأن تتحول العلاقة إلى معركة كسر إرادة، وإن وصل الطرفان إلى نقطة يصبح فيها القرب مؤذيًا، فالفراق المحترم أكرم بكثير من علاقة تُذل فيها الروح قبل الجسد، لأن الجسد سيظل يتكلم حين يعجز القلب عن الكلام.












12/05/2025 - 15:24 PM





Comments