التاريخ ينصف الرئيس أمين الجميل: اتفاق 17 أيار لجلاء الجيش الإسرائيلي عن لبنان ودروس الحاضر

12/05/2025 - 11:28 AM

Prestige Jewelry

 

كتب الاعلامي كريم حداد

 

لطالما كان لبنان أرضاً تُصدر فيها الأحكام السياسية بسرعة البرق وقسوة السكين. قلة من الرؤساء تعرضوا لقدرٍ من الظلم التاريخي المبكر مثل الرئيس أمين الجميل (1982–1988). لعقود طويلة، ظلّ اسمه مقرونًا بـ«اتفاق العار» و«الرئاسة الضعيفة» و«عهد الفوضى». لكن التاريخ، حين يأخذ مسافة كافية، يبدأ بالفرز بين الانفعال اللحظي والحقيقة الثابتة. اليوم، وبعد أربعة عقود، بدأت ملامح إنصاف واضحة تظهر للرئيس الجميل ولقراراته الصعبة، وفي القلب منها: اتفاق 17 أيار 1983 المعروف رسمياً بـ«اتفاق جلاء الجيش الإسرائيلي عن لبنان».

تولّى الرئيس أمين الجميل الرئاسة في 23 أيلول 1982، بعد أقل من أسبوعين على اغتيال شقيقه الرئيس المنتخب بشير الجميل. كان الجيش الإسرائيلي يحتلّ بيروت والجبل والجنوب وصولاً إلى نهر الأولي، والجيش السوري يسيطر على البقاع والشمال، والميليشيات تقتسم ما تبقّى. في مثل هذه الظروف، كان من المتاح لأي رئيس أن يصبح مجرد حاكم منطقة أو أداة في يد قوة خارجية. لكن الجميل اختار أن يبقى رئيساً لكل لبنان، متمسكاً بالمؤسسات الشرعية والجيش الوطني.

في 17 أيار 1983، وقّع لبنان وإسرائيل برعاية أميركية مباشرة اتفاقاً سُمّي رسمياً «اتفاق جلاء الجيش الإسرائيلي عن لبنان». نصّ الاتفاق على: إنهاء حالة الحرب بين البلدين منذ 1948، انسحاب كامل وتدريجي للقوات الإسرائيلية من كل الأراضي اللبنانية، ترتيبات أمنية محدودة في الجنوب، وإقامة مكاتب اتصال وتعاون اقتصادي محدود. لم يوقّع الرئيس الجميل الاتفاق بنفسه، بل تركه للحكومة، محاولاً الحفاظ على أوسع توافق وطني ممكن. لكنه تحمّل مسؤوليته كاملة. رُفض الاتفاق شعبياً وسياسياً، وأُلغي رسمياً في 5 آذار 1984 تحت ضغط سوري وانتفاضة مسلحة. لكن الجوهر لم يمت: إسرائيل بدأت فعلياً الانسحاب التدريجي في كانون الثاني 1985، وأخلت معظم الأراضي اللبنانية بحلول أيار 1985، محتفظة فقط بـ«الحزام الأمني» في أقصى الجنوب. هذا الانسحاب الجزئي كان أول جلاء فعلي للجيش الإسرائيلي منذ اجتياح 1982، وكان اتفاق 17 أيار قد وضع الإطار القانوني والدولي له.

غادر الرئيس أمين الجميل لبنان في أيلول 1988 في ظروف دراماتيكية، وبقي في منفى قسري دام 12 عاماً بين باريس وواشنطن وجنيف. لم يكن منفى صامتاً. جال على عواصم القرار الكبرى: البيت الأبيض، الكونغرس، الإليزيه، الفاتيكان، الأمم المتحدة، وكل عاصمة عربية سمحت له الظروف بزيارتها. وأمام كل مسؤول وكل جمهور، كان يشرح بصبر وإصرار جوهر اتفاق 17 أيار: «كان اتفاق جلاء، وليس اتفاق تطبيع كامل. هدفي الوحيد كان إخراج الجيش الإسرائيلي من بيروت والجبل والجنوب بالقلم قبل أن يُخرج بالدم، ولو نجحنا لما احتجنا إلى 17 سنة إضافية من الاحتلال والحروب». وكان يلتقي الجاليات اللبنانية في أميركا وكندا وأوروبا وأستراليا وأميركا اللاتينية، فيفسّر لساعات لماذا كان ذلك الاتفاق الفرصة الوحيدة المتاحة في تلك اللحظة التاريخية، وكيف حال الرفض الإقليمي والداخلي دون نجاحه. حتى بعد عودته عام 2000، لم يتوقف عن التوثيق: كتب مذكراته، ألقى المحاضرات، أعطى المقابلات، وأسس مركزاً للدراسات. كان يقول دائماً: «أنا لا أدافع عن نفسي، أنا أدافع عن الحقيقة التي ستظهر يوماً».

في كانون الأول 2025، وبعد عشرة أشهر من انتخابه، اتخذ الرئيس جوزاف عون خطوة تاريخية: تعيين السفير سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني في آلية الناقورة الخماسية، لمتابعة تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية (تشرين الثاني 2024)، وانسحاب إسرائيل من النقاط الخمس المتبقية، ونشر الجيش اللبناني جنوب الليطاني. نفس الهدف الذي سعى إليه اتفاق 17 أيار قبل 43 سنة: جلاء الجيش الإسرائيلي عن لبنان بالتفاوض المدعوم بالقوة والشرعية الدولية.

لم يدّعِ الرئيس أمين الجميل يوماً أنه كان فوق البشر، ولا أن عهده كان خالياً من الهنات والظروف القاسية التي فرضت خيارات صعبة. لكنه بقي الرئيس الذي راهن، في أحلك أيام الاحتلال، على أن القلم والدبلوماسية يمكن أن يُخرجا المحتلّ من بيروت والجبل والجنوب قبل أن يضطر لبنان إلى دفع فاتورة دم تمتدّ عقوداً. دفع هو شخصياً ثمن تلك الجرأة منفىً طويلاً، وتشويهاً ممنهجاً، ونسياناً قسرياً فرضته سنوات الوصاية.

لكن التاريخ، بطبعه العادل حين يأخذ وقته، بدأ اليوم يعيد الحق إلى أصحابه: اتفاق 17 أيار 1983 كان في جوهره «اتفاق جلاء الجيش الإسرائيلي عن لبنان»، وكان محاولة وطنية شجاعة لاختصار سنوات الاحتلال والدم. واليوم، حين يجلس السفير سيمون كرم في الناقورة لاستكمال الجلاء نفسه، ويتابع الرئيس جوزاف عون تنفيذ ما بدأه الجميل قبل اثنين وأربعين عاماً، يصبح من حق لبنان أن يقول بفخر: كان لدينا رئيس سبق عصره، وحاول أن ينقذنا من مصير طال أمده، وها نحن نكمل اليوم طريقه بأقلّ كلفة وأعلى سيادة.

حين يجلس السفير سيمون كرم في الناقورة لاستكمال الجلاء نفسه، يحق لأمين الجميل أن يبتسم في قرارة نفسه ويقول: «أخيراً… بدأ التاريخ ينصفني، وبدأ لبنان يكمل الطريق التي رسمتها قبل أربعة عقود».

نعم، التاريخ لم يعد فقط ينصفه… بل بدأ يسير على خطاه.

 

الصورة أرشيفية للرئيس أمين الجميل داخل أروقة الأمم المتحدة.

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment