الراهب والنتين

12/05/2025 - 09:58 AM

A

 

 

 

قصة قصيرة

_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ 

 

كتب حمدي عفت

 

في غابةٍ واسعة، حكمَ قومٌ متسلّطون شعوبَها بالخوف والقوّة، ومدّوا أيديهم إلى كلّ ما فيها كأنّها ملكٌ لهم وحدهم. وعلى أطراف الغابة، بعيدًا عن مركز النفوذ، عاش راهبٌ صالح مع تلاميذه؛ يعبدون الله، ويتلون كلماتٍ غامضة تحمل الحقّ والوعي، غير أنّ أهل الغابة لم يفهموها، ولم يريدوا أن يفهموها. غلب عليهم شعورُ النفور والغربة، فطردوا الراهب وتلاميذه، ونفوهم إلى الهامش.

على سفح جبلٍ شاهق، كان يتربّص تنّينٌ ضخم، يتوارى في الظلال، وتشتعل في صدره رغبةُ الهيمنة والدمار. حاول مرارًا أن يسيطر على الغابة، فتصّدَى له أهلها في كلّ مرة، حتى امتلأ قلبه حقدًا، وراح يخطِّط لهجومٍ لا يُبقي ولا يذر.

وفي فجرٍ قاتم، وبينما كان يحلّق فوق الغابة، وقعت عيناه على شجرتين باسقتين متجاورتين، تنتصبان في قلب الغابة كبرجين شاهقين، تتعلّق بهما خيوطُ أرزاقٍ بعيدة ومصائرُ شعوبٍ لا تراها العيون. اشتعل الغلّ في نفسه، وراوده أن يجعل منهما شرارةَ الخراب: أن يشعل النار فيهما، فتلتهم ألسنةُ اللهب الغابة بأكملها، ويمتدّ الدمار إلى كلّ زاوية، وتُرمى التُّهم على الأبرياء، بينما تختبئ الحقيقة خلف الرموز والدخان.

اندفع نحو الشجرتين، ونفث نارًا عاتية، فاشتعل جذعاهما، وسرعان ما امتدّت النيران إلى أرجاء الغابة. ارتبك أهلها، وارتجفوا من الرعب، وتعالت الصرخات، والدخان يحجب السماء. عندها صاح زعيمهم: "اخرجوا من الغابة حتى تنطفئ النار!" تفرّق الناس مذعورين إلى الأطراف، يرقبون من بعيد غابتهم وهي تحترق.

وبعد أن هدأت النيران وخمدت الجذوع المتفحمة، اجتمعوا في ساحةٍ واسعة يتباحثون عن الفاعل، عن تلك القوّة التي أذلّتهم ودمّرت ما كانوا يحاولون حمايته. ظهر التنين أمامهم متخشّعًا في مظهره، يختبئ المكر في عينيه، وقال بصوتٍ متصنّع البراءة: "أنا لم أفعل شيئًا، لكنّني أستطيع أن أخلِّصكم من الفاعل. هل تعرفون مَن أشعل الغابة؟"

سكت لحظة، ثم ابتسم ابتسامةً ماكرة وأكمل: "نعم… إنّه الراهب وتلاميذه. رأيتهم عند الفجر يردِّدون كلماتٍ غريبة، فاشتعلت الغابة. وفي يدي القدرة على أن أُخرجهم من بينكم."

انتفض الزعيم غاضبًا وسأله: "وكيف تفعل ذلك؟"

قال التنين ببرود الواثق: "أستطيع أن أهتدي إليهم وأن أطردهم، لكن لديّ شرطًا واحدًا: أريد أن أعيش معكم في هذه الغابة."

تردّد الناس، وتبادلت العيون نظراتٍ مرتبكة، وارتفعت همساتٌ متضاربة: "كيف نأمن له؟ كيف نُدخل النار إلى جوف الغابة من جديد؟" رأى الزعيم ملامح الاستسلام على وجوههم، فحسم الأمر وقال: "موافق…"

لمع الخبث في عيني التنين، واقترب خطوة ثم أضاف: "لكن عليكم أن تسجدوا لي أوّلًا!"

صاح الزعيم في غضبٍ مكتوم: "ماذا تقول؟ لن نقبل بذلك! لن نسجد لغير من خلق الغابة!"

حدّق التنين فيهم طويلًا، ثم أشار إليهم إشارةَ تهديد وقال بنبرةٍ قاطعة: "لا خيار أمامكم."

تردّدوا لحظةً بين كِبْرٍ جريح وخوفٍ كاسر، ثم غلبهم الرعب، فاستسلموا وسجدوا جميعًا. في تلك اللحظة، اشتعلت في عيني التنين شرارةُ انتصارٍ مُرّ، بينما كانت ألسنةٌ من النار لا تزال تتلألأ في الأفق البعيد، تذكّرهم بما حلّ بالشجرتين الشاهقتين، وبالدمار الذي أصاب البرجين، دون أن تُتَّهَم القوى الحقيقية بما جرى، بل أُلقي اللوم على أبرياءَ حاولوا يومًا أن يحموا الغابة وشعوبها من الهيمنة.

تركهم التنين ساجدين، وطار نحو مكان إقامة الراهب وتلاميذه على التلِّ البعيد. رآه أحد التلاميذ من بعيد، فارتاع من هيبته ولهيب جناحيه، وهرع إلى معلّمه يستحثّه أن يتلو الكلمات التي تُكمِّم نار التنين وتحبس جمره في صدره. فتح الراهب فمه ليقرأ، لكنّ لسانه انعقد من الخوف، وتعثّرت الكلمات في حلقه، بينما نسي الآخرون ما كان يجب أن يُقال، كأنّ الرعب سرق ذاكرتهم جميعًا.

وصل التنين إلى التل، ونفث نارًا عظيمة التهمت المكان، واشتعلت الأكواخ والكتب والآثار التي تركها الراهب مع تلاميذه. هرب التلاميذ مذعورين في كلّ اتجاه، لا ينظر أحدهم خلفه، بينما أمسك اثنان منهم بالراهب المُسنّ، يحاولان إبعاده عن اللهيب. كان الشيخ يلهث من شدّة التعب، يثقل جسده على أكتافهما، حتى طلب منهما أن يتوقّفا ليستريح.

تمدّد على الأرض، صدره يعلو ويهبط بصعوبة، وعيناه تتابعان خيوط الدخان المتصاعدة من التل. شيئًا فشيئًا، هدأت أنفاسه، وانحلّت عقدة لسانه أخيرًا. أخذ التلاميذ، واحدًا تلو الآخر، يعودون من مخابئهم، يتلمّسون الطريق إلى شيخهم، حتى بلغ عددهم ستةً وخمسين. التفّوا حوله في حلقةٍ واسعة، وجوههم شاحبة، وثيابهم ملوّثة برماد الحريق.

نظر إليهم الشيخ بعينين متعبتين، وقال بصوتٍ متقطّعٍ واهن: "لا بدّ أن تعودوا إلى الغابة… وتطردوا الشرير منها… وتكشفوا الحقيقة خلف الرموز والدخان."

قال أحدهم في يأس: "وكلماتُنا؟ لقد نسيناها!"

"سنذكرها يومًا… حين نتحد معًا."

تقدّم تلميذٌ نحيل، تحمل عيناه خوفًا وأسئلة، وقال بصوتٍ خافت: "وهل يأتي ذلك اليوم؟"

ارتسمت على وجه المعلّم ابتسامةٌ ضعيفة، ومال برأسه قليلًا وهمس: "كلُّ شيء… يتوقّف على وحدتكم، وعلى قدرتكم على الصمود أمام الشرّ والهيمنة… بلا خوفٍ ولا سجود."

ثم أغمض عينيه بهدوء، ولفظ أنفاسه الأخيرة.

تفرّق التلاميذ من حوله، كلّ واحدٍ في طريق، يحمل حيرته وذكرى كلماتٍ مبعثرة، ورؤيةً لم تكتمل. غير أنّ تلميذًا واحدًا بقي إلى جواره، جاثيًا عند رأسه، والدموع تتساقط على يدي الشيخ الساكنتين، يردّد في إصرارٍ مكسور:

"اطمئن يا معلّمي… يومًا ما سأجمعهم من جديد… وسنهزم الشرير، وسنكشف الحقيقة، مهما طال الانتظار."

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment