كتب كريم حداد
شكّلت زيارة قداسة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان محطة استثنائية في تاريخ البلاد الحديث، تجاوزت كل الأطر البروتوكولية والروحية التقليدية، لتتحوّل إلى حدثٍ وطني شامل، حمل أبعادًا دينية وسياسية واجتماعية وثقافية وروحية متداخلة، في لحظة وجودية مفصلية يمرّ بها وطنٌ أنهكته الانقسامات والأزمات، لكنه ما زال يتمسّك برسالته ودوره ورجائه.
أعادت الزيارة تثبيت الموقع الروحي الفريد للبنان في قلب الكنيسة الجامعة، ليس فقط كأرضٍ للتنوّع المسيحي، بل كجسرٍ حيّ بين الشرق والغرب، وكمساحة لقاء بين الأديان والثقافات. حضور البابا بين المؤمنين، وصلواته في المواقع المقدّسة والمجروحة في آنٍ واحد – ولا سيّما عند مرفأ بيروت – لم يكن مجرّد تعبير عن تعاطفٍ عابر، بل إعلانًا واضحًا بأن الكنيسة ما زالت ترى في لبنان رسالة، ولن تتخلّى عنه رغم الألم والخراب والهجرة واليأس. بدت الزيارة كإحياءٍ لنَفَس الرجاء في نفوسٍ أعيتها السنوات، وتجديدٍ لمعاني الإيمان والمغفرة والمصالحة في وجدان شعبٍ يبحث عن خلاص.
حملت الزيارة رسائل عميقة وإن جاءت بلغة روحية هادئة. فهي لم تعبّر عن انحياز إلى هذا الطرف أو ذاك، بل شدّدت على ثوابت تقوم على سيادة الدولة، وكرامة الإنسان، وحماية الشعب وحقه في الحقيقة والعدالة. وفي زمن الانهيارات الكبرى، بدت كلمات البابا ووقفاته بمثابة دعوة صريحة للطبقة السياسية إلى تحمّل مسؤولياتها التاريخية، والارتقاء فوق الحسابات الضيّقة، والعمل من أجل إنقاذ الوطن قبل فوات الأوان. كما أعادت الزيارة وضع لبنان في صدارة الاهتمام الدولي، وسلّطت الضوء من جديد على مأساة انفجار مرفأ بيروت، التي لا تزال من دون محاسبة أو عدالة.
تجلّت الزيارة في بعدها الأبوي العميق من خلال لقاءات البابا مع عائلات الضحايا، والناجين، والفقراء، والشباب. كانت تلك اللحظات أشبه باعترافٍ عالميّ بوجع الإنسان اللبناني، وبمعاناته اليومية في ظل الانهيار الاقتصادي وفقدان الأمان وانسداد الأفق. لم يزر البابا لبنان كضيفٍ عابر، بل كأبٍ جاء ليضمّد الجراح، ويشدّ على الأيدي المتعبة، ويؤكّد أن هذا الشعب لا يزال مرئيًا ومسموعًا في الضمير الإنساني.
جدّدت الزيارة التذكير بهوية لبنان الفكرية والإنسانية كمنارة للحرية والتعدّدية والحوار في الشرق الأوسط. وأعادت تسليط الضوء على رسالته التاريخية القائمة على الانفتاح وتقبّل الآخر، في زمنٍ تتصاعد فيه موجات التطرّف والانغلاق. وكانت في جوهرها دعوة لحماية هذا النموذج من التآكل، وصونه من الانهيار الأخلاقي والسياسي الذي يهدّد رسالته في العمق.
وفي ذروة هذه الزيارة، جاء القداس الإلهي في واجهة بيروت البحرية ليشكّل لحظةً مفصلية تختصر أبعاد الرحلة البابوية كلّها. هناك، عند بوابة البحر والمدينة، وفي حضرة السماء المفتوحة، احتشد مئات الآلاف من اللبنانيين من مختلف المناطق والطوائف والأعمار، في مشهدٍ مهيب أعاد إلى الأذهان صورة لبنان الواحد، المتنوّع، المتعطّش للسلام والقيامة من بين الركام. تحوّلت الواجهة البحرية إلى مذبحٍ كبير للوطن، وارتفعت الصلوات من القلوب قبل الشفاه، فامتزج صوت الأجراس بدموع الناس، وتلاقى الإيمان مع الحنين ومع الرجاء بولادة جديدة.
لم يكن ذلك القداس مجرّد حدثٍ ديني، بل تحوّل إلى صرخة روحية وطنية، أكّدت أن لبنان، رغم الجراح العميقة، ما زال قادرًا على النهوض، وعلى جمع أبنائه حول قيم الإيمان والحب والكرامة والحرية.
وإلى جانب هذا المشهد الجامع، حملت زيارة قداسة البابا إلى دير مار شربل في عنايا بعدًا روحيًا بالغ الخصوصية، تجسّد في لحظة سجودٍ مهيبة أمام ضريح قدّيس لبنان، مار شربل مخلوف. هناك، التقت قداسة المكان بعمق الصلاة، وارتفع الدعاء من أرضٍ موجوعة لكنها مملوءة بالنعمة، لتتحوّل الوقفة إلى صلاة من أجل لبنان وشعبه، ورسالة تؤكّد أن القداسة ما زالت تنبض في هذا الوطن، وأن الوجع لا يُلغي الإيمان بل يطهّره.
كما توجّه البابا إلى دير الصليب، حيث زار مستشفى الأطفال التابع للدير، في لفتة إنسانية بالغة التأثير. التقى الصغار المرضى، وصلّى من أجل شفائهم، وباركهم واحدًا واحدًا، مانحًا إياهم قوة رجاء ودفئًا أبويًا في مواجهة الألم، ومؤكدًا أن الكنيسة تقف دائمًا إلى جانب الأضعف والأكثر وجعًا.
لم تكن زيارة قداسة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان حدثًا عابرًا في روزنامة الفاتيكان، بل كانت صرخة ضمير للعالم، ورسالة رجاء إلى شعبٍ يتآكل بصمت، وشعلة نور أُضيئت في عتمة الانهيار. لقد أعادت للبنان شيئًا من صوته، وشيئًا من صورته الحقيقية، وربما فتحت نافذة نحو قدرٍ لم يُكتب له بعد أن ينطفئ.












12/03/2025 - 07:35 AM





Comments