كريم حداد
إنّ زيارة قداسة البابا إلى لبنان تمثّل حدثًا استثنائيًا بالغ الحساسية، تنظيميًا وأمنيًا ورسميًا، وتخضع لترتيبات دقيقة ومعايير صارمة تتجاوز الاعتبارات الشخصية أو الحزبية. وعليه، فإنّ أي قراءة موضوعية لما رافق مراسم الاستقبال في القصر الجمهوري تفرض الاعتراف بأنّ منظّمي الحدث التزموا الأطر المعتمدة في مثل هذه المناسبات الدولية، التي تُحدَّد عادة بالتنسيق بين أكثر من جهة رسمية، محلية ودولية، ولا تُتخذ بقرار فردي أو مزاجي.
إنّ البروتوكول في الزيارات البابوية، تحديدًا، يُبنى على معايير معروفة: الموقع الدستوري، والصفة الرسمية الآنية، والتراتبية المؤسسية، لا على الحجم السياسي أو الشعبي لأي طرف، مهما كان حضوره وازنًا أو فاعلًا. ومن هذا المنطلق، فإنّ توزيع المقاعد والمواقع لم يكن موجّهًا ضد أحد، ولا مقصودًا به الانتقاص من قيمة أي شخصية، بل جاء نتيجة تطبيق حرفي للتسلسل الرسمي المعتمد في الدولة اللبنانية.
ومن الظلم تحميل منظّمي الاستقبال مسؤولية أي انطباعات شخصية أو ردود فعل فردية، لأنّ دورهم ليس التوفيق بين الطموحات السياسية، بل احترام القواعد وحماية هيبة المناسبة. وأي تجاوز لهذه القواعد كان سيُفسَّر على أنه فوضوية في التنظيم أو خضوع للضغوط، الأمر الذي يُسيء أولًا إلى صورة لبنان أمام الفاتيكان وأمام المجتمع الدولي.
كما أنّ حساسية المشهد اللبناني وتركيبته المعقّدة تفرضان على القائمين على التنظيم اعتماد أعلى درجات الحياد، وهو ما التزموا به عمليًا من خلال التعامل المتساوي مع جميع المدعوين وفق صفاتهم الدستورية الراهنة، لا وفق تاريخهم السياسي أو رمزيّتهم السابقة. وهذا الخيار، وإن لم يُرضِ الجميع، يبقى الخيار الأكثر اتزانًا ومعلّقًا على ميزان الدولة، لا على ميزان التصنيفات الحزبية.
إنّ الانتقادات التي وُجِّهت إلى لجنة التنظيم تتجاهل واقعًا أساسيًا: أنّ نجاح المناسبة أمنيًا وتنظيميًا، وخلوّها من أي فوضى أو ارتباك ظاهر، هو بحدّ ذاته دليل كفاءة لا دليل تقصير. فالمعايير الحقيقية لنجاح مثل هذا الحدث لا تُقاس بمقعد هنا أو موقع هناك، بل بسلامة التنظيم، ودقّة التنفيذ، وصورة الدولة التي خرجت إلى العالم.
وفي لحظة يفترض أن يكون فيها التركيز على الرسالة الروحية والوطنية للزيارة، يصبح الانجرار إلى سجالات حول تفاصيل بروتوكولية نوعًا من ظلم الجهد الرسمي الذي بُذل لإنجاح الاستقبال. فالدولة لا تُدار بردّات فعل، بل بالقواعد. ومنظمة البروتوكول، حين طبّقت هذه القواعد، كانت تحمي لبنان لا تستهدف أحدًا.
إنّ الدفاع الحقيقي عن لبنان لا يكون بتفكيك مؤسساته عند أول اعتراض، بل بدعمها وتحصينها، ولا سيما في محطات جامعة حسّاسة كهذه. ومن هنا، فإنّ منصفًا واحدًا يكفي ليقول: إنّ من نظّموا الاستقبال أدّوا واجبهم وفق ما يمليه عليهم موقعهم ومسؤوليتهم، وأي محاولة لتجريدهم من نزاهتهم ليست سوى إسقاط سياسي في غير مكانه وزمانه.












12/02/2025 - 14:22 PM





Comments