زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان: رجاءٌ صالح في زمن الانهيار

12/02/2025 - 08:35 AM

A

 

 

تحقيق جورج ديب

في زمنٍ تتكاثف فيه الأزمات على لبنان، وتضيق فيه فسحات الأمل، جاءت زيارة قداسة البابا لاوون الرابع عشر كحدثٍ استثنائي، أعاد تسليط الضوء على لبنان كرسالة، لا كدولة فحسب. زيارةٌ حملت في طياتها أبعادًا روحية وسياسية وإنسانية، لتتحوّل إلى لحظة مفصلية في تاريخ البلاد، ورسالة رجاء إلى وطنٍ موجوع يبحث عن خلاصه وسط ركام الانهيارات.

رمزية التوقيت والمكان

لم تكن زيارة قداسة البابا إلى لبنان مجرد محطة بروتوكولية في جدول أعمال الكرسي الرسولي، بل جاءت في توقيت بالغ الحساسية، حيث يرزح لبنان تحت أعباء أزمة اقتصادية غير مسبوقة، وانسداد سياسي، وتراجع في الثقة بالمؤسسات، وهجرة جماعية تهدد نسيجه الاجتماعي وقصف اسرائيلي على جنوبه.

اختيار لبنان، في هذا الظرف بالذات، يعكس إدراك الفاتيكان العميق لدور هذا البلد في المعادلة الإقليمية، ولرمزيته كأرضٍ للتعددية والعيش المشترك. فلبنان، الذي وصفه البابا يوحنا بولس الثاني بأنه "أكثر من وطن، إنه رسالة"، عاد إلى الواجهة الدولية من بوابة الفاتيكان، ليُذكّر العالم بأنه لا يزال يستحق الحياة.

مشهدية الوحدة اللبنانية في ساحة الشهداء

في قلب بيروت، وتحديدًا في ساحة الشهداء، تجلّت صورة لبنان الحقيقية: لقاء مسكوني وحواري بين الأديان، جمع قداسة البابا والبطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، وبطريرك السريان الكاثوليك مار إغناطيوس يوسف الثالث يونان، ومفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، ونائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب، وشيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ سامي أبي المنى، بطريرك إنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس  يوحنا العاشر اليازجي، بطريرك إنطاكية وسائر المشرق والإسكندرية والقدس للروم الكاثوليك مار يوسف الاول العبسي، كاثوليكوس الأرمن الأرثوذكس لبيت كيليكيا الكاثوليكوس آرام الأول، بطريرك كيلّيكيا للأرمن الكاثوليك روفائيل بيدروس الحادي والعشرون مينيسيان، بطريرك السريان الارثوذكس مار اغناطيوس افرام الثاني، إلى جانب رؤساء الطوائف المسيحية والإسلامية كافة.

هذا المشهد لم يكن مجرد استعراض وحدوي، بل تأكيد على أن لبنان، رغم جراحه، لا يزال قادرًا على إنتاج صورة جامعة، تُخاطب العالم بلغة السلام، وتُعيد الاعتبار لقيم التلاقي والحوار.

خطاب قداسة البابا في بعبدا... ما بين الروح والسياسة

في كلمته من القصر الجمهوري، وجّه قداسة البابا لاوون الرابع عشر رسالة مزدوجة: روحية وسياسية. دعا إلى الصمود، والبدء من جديد، مؤكدًا أن "فاعلي السلام ليسوا متفرجين، بل صناع حقيقيون"، في إشارة واضحة إلى الطبقة السياسية اللبنانية، التي حمّلها مسؤولية مباشرة في إعادة بناء الثقة، وتجاوز الانقسامات، والعمل من أجل الصالح العام.

كلماته لم تكن مجرد وعظ ديني، بل خارطة طريق سياسية وأخلاقية، تدعو إلى إعادة الاعتبار للمصلحة الوطنية، فوق كل اعتبار طائفي أو فئوي. لقد قدّم البابا خطابًا يتقاطع مع تطلعات اللبنانيين إلى دولة عادلة، شفافة، قادرة على حماية كرامة الإنسان، وتوفير الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم.

عنايا... الركوع أمام قديس لبنان

في محطته الروحية الأبرز، زار قداسة البابا ضريح القديس شربل في عنايا، وركع بخشوع أمام القبر، رافعًا صلاة من أجل لبنان والعالم. هذه اللحظة، التي وثّقتها عدسات الإعلام، لم تكن مجرد طقس ديني، بل فعل إيمان عميق بأن الرجاء لا يُقهر، وأن لبنان، رغم كل شيء، لا يزال أرضًا للقداسة.

في كلمته من عنايا، شدد البابا على أن "لا سلام من دون توبة القلب"، داعيًا إلى تحويل الألم إلى "صرخة حبّ"، وإلى شراكة روحية بين اللبنانيين، مسيحيين ومسلمين، من أجل بناء وطنٍ يتسع للجميع.

حريصا... الوردة الذهبية ورائحة المسيح

في بازيليك سيدة لبنان – حريصا، التقى قداسة البابا بالجماعة الكنسية من أساقفة وكهنة وراهبات ومكرّسين وعلمانيين. في كلمته، استعاد كلمات البابا يوحنا بولس الثاني: "في لبنان أنتم مسؤولون عن الرجاء"، داعيًا إلى الإبداع في المصالحة والغفران، ومشددًا على أن بناء السلام يبدأ من الثبات في المحبة، لا من الخوف أو الكراهية.

وقدّم البابا الوردة الذهبية للمزار، معتبرًا إياها دعوة إلى الكنيسة في لبنان لنشر "رائحة المسيح الطيبة"، من خلال أعمال المحبة والخدمة، في مجتمع يعاني من الانقسام. إنها دعوة إلى أن تكون الكنيسة علامة وحدة، لا ملاذًا للانكفاء.

البعد الدولي للزيارة

لا يمكن فصل هذه الزيارة عن سياقها الدولي. فالفاتيكان، من خلال هذه الخطوة، أعاد التأكيد على دعمه للبنان ككيان مستقل، ورفضه لأي محاولات لجرّه إلى محاور إقليمية أو صراعات خارجية. لقد أراد البابا أن يقول للعالم: لبنان ليس متروكًا، بل لا يزال في قلب الكنيسة الجامعة.

كما أن مشاركة شخصيات دينية من مختلف الطوائف، إلى جانب ممثلين عن الفاتيكان، تعكس رغبة دولية في الحفاظ على النموذج اللبناني، رغم كل التحديات. إنها رسالة إلى المجتمع الدولي بأن دعم لبنان لا يجب أن يكون مشروطًا أو مؤقتًا، بل مستدامًا، يهدف إلى تعزيز صموده واستعادة دوره كمساحة للحوار والسلام.

صدى الزيارة في الداخل والخارج

لاقى حضور قداسة البابا صدى واسعًا في الأوساط الشعبية والرسمية. فقد توافد الآلاف إلى عنايا وحريصا وساحة الشهداء، حاملين الأعلام اللبنانية والفاتيكانية، ومرددين شعارات السلام والوحدة. في المقابل، عبّرت الجاليات اللبنانية في الاغتراب عن فخرها بهذه الزيارة، معتبرة إياها لحظة عزّ واحتضان دولي لوطنهم الأم.

أما في الخارج، فقد حظيت الزيارة بتغطية إعلامية واسعة، واعتُبرت من قبل العديد من المراقبين بمثابة "رسالة فاتيكانية إلى الشرق الأوسط"، تؤكد على أهمية الحفاظ على التعددية، ورفض العنف، والدعوة إلى بناء جسور بين الأديان والثقافات.

تحديات ما بعد الزيارة

رغم الزخم الروحي والسياسي الذي رافق الزيارة، تبقى التحديات أمام لبنان جسيمة. فالكلمات وحدها لا تكفي، ما لم تُترجم إلى أفعال. المطلوب اليوم هو أن تلتقط القوى السياسية والروحية هذه اللحظة، وتحوّلها إلى فرصة لإعادة بناء الثقة، وإطلاق مسار إصلاحي حقيقي، يعيد للبنان دوره ومكانته.

كما أن الكنيسة مدعوة إلى لعب دور أكثر فاعلية في الحياة العامة، ليس من باب التدخل السياسي، بل من منطلق رسالتها الأخلاقية والإنسانية، في الدفاع عن الفقراء والمهمشين، وفي تعزيز ثقافة الحوار والمصالحة.

لبنان رسالة... لا تزال قائمة

في زمنٍ تتهاوى فيه القيم، وتُهدد فيه الهويات، يبقى لبنان، رغم كل شيء، نموذجًا فريدًا. نعم، هو بلد موجوع، لكنه لم يفقد بعد روحه. زيارة البابا لاوون الرابع عشر أعادت التذكير بأن لبنان، برسالته، لا يزال حيًا، وأنه قادر على النهوض من تحت الركام، إذا ما توفرت الإرادة، وتوحدت النيات.

لقد قالها البابا بوضوح: "أنتم شعب يعرف كيف يولد من جديد" وهذه ليست مجاملة، بل إيمانٌ بتاريخٍ طويل من الصمود، ومن القدرة على تحويل الألم إلى أمل، والدمار إلى بناء.

رجاء لا يموت

زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان لم تكن مجرد حدث عابر، بل لحظة تاريخية جمعت بين الرجاء الروحي والدعوة السياسية، وأعادت تسليط الضوء على لبنان كأرضٍ للسلام، لا ساحة للصراعات. إنها دعوة إلى اللبنانيين، مقيمين ومغتربين، ليعيدوا بناء وطنهم على أسس العدالة، والكرامة، والعيش المشترك.

في زمن العواصف، يبقى لبنان بحاجة إلى من يرفع صوته من أجله، لا من يتاجر بألمه. والبابا، في زيارته، لم يأتِ ليُعزّي فقط، بل ليوقظ الضمير، ويزرع بذور الرجاء الصالح في أرضٍ عطشى للسلام.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment