الدار البيضاء – بيروت تايمز – متابعة جورج ديب
شهدت مدن مغربية عديدة خلال الأيام الأخيرة موجة احتجاجات شبابية غير مسبوقة، قادها ما يُعرف بـ"جيل Z 212"، وهي حركة رقمية انطلقت من منصات التواصل الاجتماعي، وتحديداً تطبيق "ديسكورد"، قبل أن تتحول إلى مظاهرات ميدانية واسعة في الرباط، الدار البيضاء، مراكش، طنجة، أكادير، فاس، ومكناس. آلاف الشباب نزلوا إلى الشوارع رافعين شعارات تطالب بالعدالة الاجتماعية، محاربة الفساد، تحسين التعليم والصحة، ووقف الإنفاق المفرط على الفعاليات الرياضية، خصوصاً التحضيرات لكأس العالم 2030 الذي تستضيفه المملكة بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال.
هذه الاحتجاجات، التي رفعت شعار "سلمية، وطنية، ضد الفساد"، جاءت نتيجة تراكم طويل للأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها الشباب المغربي، وفي مقدمتها البطالة، غلاء المعيشة، ضعف الخدمات العمومية، وتراجع الثقة بالمؤسسات. وقد عبّر المحتجون عن رفضهم لما وصفوه بـ"اللامبالاة الرسمية"، وغياب الإصلاحات الجذرية، واحتكار القرار السياسي من قبل النخب التقليدية.
السلطات المغربية واجهت هذه التحركات بمقاربة أمنية مشددة، حيث تم تفريق التجمعات بالقوة في عدد من المدن، واعتُقل المئات من المتظاهرين، بينهم نشطاء وصحافيون كانوا يغطون الوقفات. الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وثّقت عشرات حالات التوقيف في الرباط والدار البيضاء، فيما نددت منظمات حقوقية محلية ودولية بما وصفته بـ"القمع الاستباقي" و"الانتهاك لحق التظاهر السلمي". ورغم الإفراج عن معظم المعتقلين لاحقاً، إلا أن الحركة الشبابية اعتبرت أن الرسالة الأمنية كانت تهديداً مباشراً لحق التعبير.
في هذا السياق، لم يصدر عن القصر الملكي أي بيان رسمي مباشر بشأن احتجاجات "جيل Z"، إلا أن الخطاب الملكي الأخير بمناسبة عيد العرش في يوليو 2025 تضمّن إشارات واضحة إلى ضرورة "الإنصات للشباب"، و"إعادة الاعتبار للمدرسة العمومية"، و"تحقيق العدالة المجالية والاجتماعية"، وهي مضامين اعتبرها مراقبون بمثابة دعوة ضمنية للتهدئة والإصلاح.
أما عن سؤال "هل العرش في خطر؟"، فإن الإجابة وفق المراقبين تبقى بالنفي. فالحركة الشبابية لم ترفع شعارات مناهضة للملكية، بل أكدت في بياناتها أنها "تحب الوطن والملك"، وتطالب بإصلاحات داخل الإطار الدستوري القائم. ومع ذلك، فإن استمرار التوترات الاجتماعية، وتجاهل المطالب الشعبية، قد يُضعف منسوب الثقة العامة، ويُحرج المؤسسات الرسمية، ما يستدعي استجابة سياسية جادة تُعيد وصل الدولة بشبابها.
اللافت أن "جيل Z 212" لا تنتمي لأي حزب سياسي أو تيار أيديولوجي، بل تُعرّف نفسها بأنها مجموعة شبابية مستقلة، تحب الوطن والملك، وترفض العنف والتسييس. هذا الطابع غير المؤطر أربك السلطات، وأثار اهتمام الرأي العام، خاصة أن التعبئة تمت بشكل رقمي سريع، دون قيادة مركزية أو مطالب حزبية تقليدية.
في خلفية هذه الاحتجاجات، تبرز أزمة ثقة متفاقمة بين الشباب والمؤسسات، إذ يشعر كثيرون بأنهم مهمّشون سياسياً واقتصادياً، وأن السياسات العمومية لا تعكس أولوياتهم. كما أن تراجع الدعم الدولي، وتأخر المساعدات، وتباطؤ الإصلاحات، كلها عوامل غذّت هذا الغضب الشعبي، الذي يُعدّ من أوسع التحركات الشبابية منذ احتجاجات 2011.
جيل Z المغربي، الذي وُلد في زمن الرقمية والانفتاح، يطالب اليوم بدولة عادلة، شفافة، تستمع لصوته، وتمنحه فرصة حقيقية في بناء المستقبل. وبينما تراقب السلطات تطور هذه الحركة، يبقى السؤال الأهم: هل ستُترجم هذه الصرخة إلى إصلاحات ملموسة، أم ستُواجه بمزيد من الإنكار والتجاهل؟













10/01/2025 - 10:49 AM





Comments