تنويع مصادر الدخل قوة اقتصادية للكويت... متى يتحقق؟

09/16/2023 - 16:42 PM

بيروت تايمز

 

 

 

الشيخ فهد داود الصباح

 

بعد الموقع الجغرافي والقوة السياسية، يمثل الاقتصاد احدى مقومات اي دولة، خصوصا اذا كانت صغيرة، ولديها القدرة على التبادل مع الاخر، حين لا تمتلك ثروات طبيعية، وهذا ما كانت عليه الكويت قبل اكتشاف النفط، اذ استغل الكويتيون طاقتهم الخاصة من اجل العمل على تأمين معيشتهم، فكانت سفن الغوص، والتجارة مع الجوار، القوة التي مثلت في تلك المرحلة سبب معيشتهم.

الكويت قديما كانت تعتمد على ثلاثة قطاعات اقتصادية، احدها محلي، وهي الزراعة ضمن الاراضي الصالحة لهذا، والتجارة عبر القوافل البرية، والثالث التجارة عبر البحر، مع استغلال الغوص على اللؤلؤ.

في القطاع الاول كانت الى حد ما مكتفية ذاتيا، مع بعض الاستيراد البسيط من الدول المجاورة، لا سيما العراق وفارس، وشبه الجزيرة العربية.

اما في المجال الثاني، فكانت عقدة مواصلات برية بين العراق وفارس وشبه الجزيرة العربية، نتيجة الطرق القديمة التي كانت تمر بها لقربها من ايران والعراق وبلاد الشام، ولم تكن عقدة المواصلات هذه هي الوحيدة، لان الطرق القديمة التي تمر عبر الاردن وفلسطين، في ما سمي رحلة الشتاء والصيف، موجودة، لكن امتازت الكويت بقربها من ايران وسهولة الطريق عبر الحواضر القديمة في العراق، لهذا مثلت اهمية اقتصادية في تلك المرحلة بالنسبة لسكان تلك الحواضر.

قديما كانت الممرات البرية من ايران والعراق، خصوصا قوافل الحجيج تمر في الكويت، كما كانت ممرات عسكرية ايضا، لهذا فإن معركة ذات السلاسل الشهيرة كانت في شمال الكويت، وكذلك الى اليوم لا تزال اثار مدينة الحجاج في شمالها.

كل هذا اليوم تغير بعد اكتشاف النفط، في ثلاثينات القرن الماضي، فاذا كان الهدف يومها استغلال الثروة الطبيعية في تحسين معيشة الكويتيين، واعتمد مبدأ توزيع الثروة وفقا رؤية كانت تطمح الى اطلاق المبادرات الفردية، وتأمين فرص العمل لتنشيط الاقتصاد مع ما يتناسب مع ذلك الزمان، فإن ما حدث بعدها كان سيئا الى حد جعل الاقتصاد يعتمد بالمطلق على النفط، ودولة الرعاية، اي من المهد الى اللحد للمواطن، ما ادى الى الاصابة بالمرض الهولندي، وهذا كان له ثمنه الكبير لاحقا.

 

في تقرير للامم المتحدة صدر عام 2022 ورد ما يلي

"يمكن للنمو الاقتصادي المستدام والشامل أن يحرك التقدم ويخلق وظائف لائقة للجميع ويحسن مستويات المعيشة"، والتقرير كان متخصصا في اقتصادات الدول الصغيرة، وما يمكن فعله في تنشيطها بعد جائحة "كورونا".

في الكويت، قامت فكرة الدولة الاقتصادية على التوفيق بين المبادرة الفردية والاشتراكية، وهذا المبدأ يعني ان يتساوى الناس في الرعاية، لكنه يحتاج لكي يتحقق الى اكتمال عناصر القوة، وهي الحماية الاقتصادية، التي قال عنها الدكتور سهام الدين خيري في كتابه "العولمة الاقتصادية ومتطلبات التنمية والنهوض في الدول النامية" انها "السبب الرئيس في تقدم الدول الصناعية، والذي مكنها من تطوير قدراتها التنافسية في الأسواق العالمية".

لكن هذا الشرط "في ظل أحادية القطب وفرض مفاهيم منظمة التجارة العالمية"، ما ادى لزاما على الدول" فتح أسواق البلدان الأخرى أمام منتجاتها المصنعة والدعوة إلى تطبيق سياسة الأبواب المفتوحة لتسهيل تدفق السلع والخدمات عبر الحدود الدولية والى عدم التدخل الحكومي بسبب عدم قدرتها على المنافسة العادلة، فيما تواجه البلدان النامية".

لا شك ان خيري شرح العلة الاساس التي يعاني منها الاقتصادي الكويتي حاليا، وهي اقفال البلاد، وغياب البنية التحتية الصناعية، وعدم التكافؤ بين الموقع الجغرافي والامتياز السياسي في العلاقة مع الدول الاخرى، في استغلال ذلك اقتصاديا، تساهم بترسيخ القوة التي تتمتع بها الدول الصغيرة، وتحميها في مواجهة اي ازمات.

في هذا الشأن، كتب الخبير الاقتصادي جاكوب فرانكل، متسائلا "لماذا يتطلع المرء إلى البلدان الصغيرة عندما يبحث عن أفكار جيدة للسياسات أو المؤسسات"؟ ويردّ على تساؤله "ذلك لأن التاريخ يظهر أن الدول الكبرى لا تملك كل الإجابات"، لهذا فان الحيوية الاقتصادية في الدول الصغيرة اكثر وضوحا في اظهار المشكلات او النجاحات.

لهذا كتب ادم سميث في كتابه" ثروة الامم" ان "ضوابط التجارة غير قائمة على أساس سليم وتأتي بنتائج عكسية، اذ كانت النظرة السائدة أن ثروة الأمة هي مقدار ما تمتلكه من مال، وهذا يعني ضمنًا أن الأمة إذا أرادت أن تكون أكثر ثراءً، فهي تحتاج إلى بيع أكبر قدر ممكن مما تملكه للآخرين، حتى تحصل على أكبر قدر ممكن من المال في المقابل".

وهذا في حد ذاته مشكلة لاي امة، لان الهدف من الامن الاقتصادي هو ان تكون لدى الدولة القدرة على المحافظة على امنها الذاتي، من خلال وجود عوامل اقتصادية تمنع حاجتها الى الاخرين، لانها بغير ذلك تكون عرضة للازمات، وهذا ما كشفته جائحة "كورونا" بالنسبة للكويت، المطالبة حاليا في العمل على تنويع مصادر دخلها، واقامة بنية صناعية وامن غذائي، لتعزيز قوتها في الحضور الاقليمي والدولي، ولا شك ان ذلك يستدعي تغيير الذهنية الاقتصادية للدولة.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment