لبنان لن ينهض إلاّ من خلال شبابه

06/18/2022 - 17:53 PM

 

حسن الخطيب

 

وها قد انتهت الإنتخابات بنتائج متوقعة رغم الخروقات المرضية التي حصلت في عدد من المناطق التي أعطت أملاً أنّ التغيير ممكن رغم اليأس والسوداوية الذين طبعوا الوضع اللبناني منذ سنوات عدة. حاولت مراقبة المشهد بعد الإنتخابات لرصد ردّات الفعل خصوصاّ لدى الناس الذي استماتوا في الدفاع عن زعمائهم ورؤساء أحزابهم. يجب الإشارة إلى أنّ مستوى الحقد و التخوين والتناحر كان قد بلغ درجات غير مسبوقة في المرحلة الأخيرة ما قبل الإنتخابات، حتى أوشك الوضع على الانفجار.

لابدّ من الإشارة إلى أنّ الوضع المسموم المشار إليه كان قد سيطر على المشهد اللبناني منذ اندلاع ثورة 17 تشرين. ما ان انتهت الإنتخابات، حتى أصبحت المهمّة الأولية لمناصري الأحزاب تعداد النواب حيث حاول كل فريق من المناصرين الإيحاء بأنّ حزبه نال العدد الأكبر من النواب، لكأنّ الحصول على نائب أونائبين بالزائد كفيل بتغيير الوضع العام.

انتهت مرحلة التعداد، فانعقدت جلسات مجلس النواب وتم انتخاب رئيس مجلس و كرّت سبحة الأحداث التي شهدت عدد من المشاهد التي أقل ما يقال فيها أنّها تجسّد مقولة: المضحك المبكي. فعلى سبيل المثال لا الحصر، وما ان انتشرت الصور الودّية التي جمعت عدد من النواب الأخصام، حتى ضربت الحَيْرَة مناصري الأحزاب المعنية، فانبرى بعضهم يبرّر ولم يتوان البعض الآخر عن الهجوم المباشر على نواب حزبه. يجب الإشارة إلى أنّ الرقي في إدارة الخلاف واحترام اختلاف الآخر هو أحد الشروط البديهية والمطلوبة دائماً لاستقامة الحياة عمومًا.

ولكن لا يمكن إغفال حجم وبشاعة الاتهامات التي قام الخصوم بتبادلها قبل الإنتخابات، الأمر الذين كان يؤجّج النار بين الناس و يزيد من غضبهم، مع العلم أنّ الناس في لبنان حالياً وصلوا إلى مرحلة اللاعودة فيما يتعلّق بالكره والحقد على الظروف التي أوصلت حياتهم إلى هذا الدرك.

تتالت المواقف بعد الانتخابات، فأجريت انتخابات اللجان، وتعالت أصوات اتهامات الخيانة بين الأطراف مجدداً. كما أنّ النواب الذين أطلق عليهم لقب "النواب التغييريين" أصبحوا تحت المجهر بشكل مبالغ فيه، فوجدوا نفسهم عرضة لضغوط كبيرة من أجل توحيد مواقفهم عند كل استحقاق، كما أنّهم أصبحوا تحت مرمى أسهم الجميع عند كلّ مناسبة أو مقابلة، مع العلم أنّهم ليسوا بآلهة، كما إنّ خبرتهم في الحياة البرلمانية لا تزال محدودة نسبياً مقارنة بخبرة ودهاء أركان المنظومة. باختصار، يمكن القول أنّ الوضع المأساوي مستمر حتى إشعار آخر، وإلى أن يحين وقت الإشعار المذكور، ستتبقى حياة اللبناني تتأرجح على وقع التلاعب بالدولار والانهيارات المتتالية.

أصدقائي، أكتب هذا المقال ولي هدف إيصال رسالة إلى الشباب اللبناني. فحوى هذه الرسالة أنّ نهوض لبنان هو مسؤولية تقع على عاتق أكتاف جيل الشباب. آن الأوان للشباب اللبناني أن يدرك أنّ مسؤولية إنعاش الوطن ونثر الأمل تقع على عاتقنا جميعاً ولن تتمّ إلاّ من خلال المبادرات الفردية والجماعية. أصدقائي الأعزّاء، أتصفّح صفحتي على الفايسبوك، لفتني نشاط عدد من الأصدقاء الذين يأسّسون الجمعيات، ويطلقون المبادرات الاجتماعية ويتصدّرون البرامج التلفزيونية ليتحدثّوا عن مشاريعهم وعن الجهود الحثيثة الذين يبذلونها. وعلى رغم من كثرة الأمثلة التي يمكن ذكرها في هذا الإطار، دعوني أّسّلط الضوء على عدد من المبادرات التي استطاعت أن تحدث بعض الفرق في المجتمع اللبناني.

المثل الاول هو عمل الحراك المدني في مدينة طرابلس والذي على رغم من تواضع إمكانياته استطاع سدّ بعض الثغرات في احتياجات المجتمع الطرابلسي المظلوم.

المثل الثاني هو النشاط المتواصل للمكتبة العامة لبلدية برجا التي لا ينفك أصحابها عن إطلاق المبادرات و تنظيم النشاطات الهادفة التي من شأنها إحداث التغيير.

المثل الثالث هو المنصّة الإخبارية الرسمية لموقع "طرابلس ل.ب. ن" .تضمّ المنصّة عدداً من المراسلين والمراسلات الواعدين والذين استطاعوا فرض وجودهم ومواكبة الأحداث بطريقة محترفة في الشهور التي مضت.

إنّ الأمثلة المذكورة أعلاه تؤكّد أن الشباب الواعي قادر على إحداث التغيير رغم تواضع الإمكانيات وغياب أي دعم رسمي. يجب توجيه تحية إلى هؤلاء الناس الذين أبوا مغادرة وطنهم ورفضوا التخلي عن أحلامهم. هؤلاء يجب أن يكونوا مثالاً أعلى لجيل الشباب الحالي. أصدقائي، ها قد انتهت الإنتخابات، اتركوا السياسة، ابتعدوا عن الارتهان، صفّقوا للناجح، وانتقدوا المخطئ بأدب واحترام. ركزّوا على مواهبكم، أطلقوا المبادرات التي من شأنها إحداث التغيير المنشود و تجرؤوا على الحلم.

تعالوا عن الأحقاد والصراعات الطائفية. انبذوا التفرقة وتذكروا كلام القس الألماني مارتن نيمولر والذي كان معروفاً بمعاداته للنازية: "في ألمانيا وحين جاءوا للشيوعيين لم أبال لأنني لست شيوعيا، وعندما اضطهدوا اليهود لم أبال لأنني لست يهوديا، ثم عندما اضطهدوا النقابات العمالية لم أبال لأني لم أكن نقابي، بعدها عندما اضطهدوا الكاثوليك لم أبال لأني بروتستنتي، و عندما أضطهدوني انا لم يبق أحد حينها ليدافع عني".

حتى يأتي الوقت المنشود الذي سينهض لبنان فيه من حفرته العميقة، دعونا نتمسّك بالأمل، دعونا نتجرأ على الحلم ولنغنّي مع فيروز: الإيام يللي جايي جايي وفيها الشمس مخباية.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment