رسالة إلى فيروز

03/30/2021 - 22:55 PM

A

 

بقلم: محمد بسيوني

 

بعد التحية:

ألوان مختلفة لكن متشابهة، كريمات متنوعة لكن لكل منها وظيفة.. كلنا نعلم أن البنات، تلك المخلوقات الجميلة، تعيش على مستحضرات التجميل والتي غالباً ما تتطلب ميزانية خاصة. لكن يبقى هذا رحمة للبني آدمين أمام متطلبات الأطفال، فمن حليب خاص غال الثمن إلى أدوية ضرورية لا غنى عنها وإبتكارات مصنوعة من النايلون والقطن من أجل أن تكن حاجزاً بين ما يكره الإنسان فيمن يحب ومن يحب دون أن يكره. طبعاً لا ننسى مصاريفك أنت أيها الزوج. مع أنه من الغريب جداً أن تكون ميزانيتك مرتفعة في حين أنك لا تستخدم أي من الأشياء سالفة الذكر والمتعلقة بالزوجة أو الطفل!

هو منظور جديد للحياة، ما اعتاد معظمنا أن ينظر من خلاله حتى الأمس القريب. بيد أن البلاد تغيرت والظروف تبلكمت وتحول الكثير من أساسيات الحياة إلى لا أساسيات واختفت كثير من الكماليات حتى إشعار آخر، أو لا! قديماً، كانت االحروب تشتعل من أجل إضافة مساحة جغرافية جديدة أو للدفاع عن أرض معينة وهذا شيء يشهد التاريخ أنه اعتيادي. لكن من الغريب جداً أن الحروب القادمة ستكون على بعض من الماء الصالح للشرب وقليل من الملح. الحليب البودرة لن يكن متوفراً، سبينس سيكون مقفلاً، فارغاً، مهملاً. مصطلح "وجبات سريعة" أو "ديليفري" سيخف سماعه وحتى المناقيش ستقل شعبيتها. الدراسة ستصبح حلماً حتى في المراحل الأساسية، والطبابة... بالضبط!

سيدتي، طلعلي البكي.. طلعلي البكي كل ما أتذكر أن لي أماَ وأباَ لا أريد أن أغادرهم لكن فعلت. طلعلي البكي كلما فكرت في بلدي الذي أصبح يشبه كل شئ إلا بلدي الذي خُلقت فوجدت. طلعلي البكي كلما فكرت ماذا لو وجدت حب حياتي! أليس الحب محرماً في الزمن الصعب؟ أليس الزواج جريمة يشعلها القلب في وقت كهذا تباً لا مكان الآن لحديث القلب! وما زلت أسأل نفسي أحقاً أريد الإتيان بطفل إلى الجحيم بلا ذنب؟

بالأمس كان الشباب يغادرون الوطن إلى وطن أحن. يرمون قلوبهم في الجوارير العتيقة، في علب البسكويت القديمة، بين الابر والخيطان من غير خوف، فهو وان لامس المقص والابر، ما زال يشعر بلا شيء. بالأمس غادر الشباب، أما الآن فهي هجرات جماعية، كالحيوانات تماماً.

فيروز، سيدتي الجميلة، هن ثلاث نساء أحببت أن أراهن قبل أن أموت، أنتِ، ملكة بريطانيا، وزوجتي المستقبلية. لا أدر لمَ لم ألتق بأحد منكن بعد. مع أن بلدنا واحد، والنقليات مؤمنة!

على أنغام ليالي الشمال الحزينة أكتب لك هذه الكلمات. الساعة قاربت الثامنة مساءً وما زال صوتك يدفئ غرفتي الباردة، أما المطر في الخارج فما زال يقرع زجاج النافذة، علّني أفتح له فيلامس صوتك، لكن لا، ليس خوفاً من الهواء وإنما أحببت أن أكون وحدي من يستمع إليكِ مساءً، أوليسوا جميعاً يظنون أنك خُلقت فقط للصباح!

سيدتي، غادرت لبنان قبل أن أراكِ، وما زلت لا أدر إن يتحقق الحلم يوماً. لكن من يدري، ربما سترحلين كما الشعب العنيد الذي تخلى عن عناده ورحل إلى بلاد لا تشبه بلدنا بشيء.

حاذري سيدتي، من الصعب أن تعيشي بمكان بعيد عن قلبك، وإن كان قصر يلدز هو ذلك المكان أو بيت مش صغير بكندا.

من الصعب عدم رؤية تفاصيل لبنان اليومية وعيشها، وإن كانت هزيلة، ضعيفة، لا حياة فيها!

من الصعب هو ما نعيشه نحن بعيداً عن قلوبنا وقلوب من نلقبهم بقلوبنا..

لكن إليك ما سيحدث، ستجري قيمة اللبناني مع نهر العاصي، وستعانق العملة الصعبة القرنة السوداء أيام سوداء لن تنجلي وربما تتوج بحرب ونار هي آخر أيام الصيفية سترجع الشتوية لتبقى طوال العام ستبكي الطيور ولن تسأل العصفورة البيضاء عن أحد ضحكاتنا ستُنسى المكاتيب لم تعد تُكتب ولن ينتظر أحدٌ أحداَ على المفرق الزاخر بالإطارات المشتعلة وإن كان الجو صحواً سيكون لبنان مطبوعاً بذاكرتنا القديمة لكن من دون شعورلأن القلب ما زال هناك في علبة السمنيولو الصدئة الحواف سيحكم الزعماء أنفسهم لأنه لن يبق أحداً ليحكموه سينتحر الأمل وسيصعد ملاك الرحمة الى السماء وفي النهاية، ... سيغادر الجميع حتى لا تجد فيروز من يسمع لها في الصباح، هذا، إن طلع علينا صباح.

ويبق السؤال سيدتي، هل الزواج جريمة في آخر أيام الصيفية؟.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment