لبنان بين جمهوريتين

03/06/2021 - 11:11 AM

Atlantic home care

 

 

الدكتور نسيم الخوري

 

سؤآل: لماذا هبّ اللبنانيون ونزلوا بقوّة إلى الساحات وقطعوا الشوارع ظهر الثلاثاء الماضي (2 /آذار مارس 2020)؟ الجواب العام طغى على المتظاهرين أمام الشاشات: بلغ سعر الدولار 10000 ليرة لبنانيّة.

طُرح سؤآل آخر: ولماذا لم تهبّوا عندما كان سعرالدولار بين ال9900 وال 9950 ؟ لا أجوبة أبداً. أعتقد بأنّ شعوراً صاعقاً أصاب الناس وكأنّهم بلغوا الحافة العالية وسيسقطون حتماً نحو "الجحيم". فكرة صحيحة وعفوية نفسيّة أدرجها بلعبة الأرقام ونشرحها في الجامعات في علوم "العلاقات العامّة" بحثاً عن الصور الذهنية اللإيجابية والسلبيّة في أذهان الناس لتثبيتها أو لحذفها.

نلاحظ مثالاً على ذلك، أنّ الأثمان التي يرفعها التجار غالباً في الواجهات أو "المولات"، على بضاعاتهم المعروضة للبيع، لا تصل الحفافي إلاّ نادراً. يسعّر الفستان النسائي بـ 1999 لا بـ 2000 تداركاَ لنقزة الزبائن والمارّة. هذا طعم نفسي جاذب وإغرائي تجاري معروف ربّما ومفهوم من الجميع.

إذن، لماذا استيقظ المتظاهرون في لبنان؟

في العودة إلى هؤلاء أستعيد هبّة اللبنانيين الأولى (17/10/2019) ولا أقول بأنّها استمرّت حتّى الـ 2021، كما يؤرّخ، لأنّها تقلّبت بمسمّياتها بين حراك وثورة واحتجاجات وانتفاضات ترفع شعار "الربيع العربي" المصنوع والمستورد: "الشعب يريد إسقاط النظام" الذي يرى البعض مغالياً بأنّه صناعة "ثورة الأرز" 2005، أو"كلّن يعني كلّن" الذي حشر بعض المسؤولين. لن أجازف بالقول أنّ الحراك أجهض أو خرج أو أخرج من صيغة الجماعة المتنوّعة التغييرية ووقع في أفخاخ الإنقسامات الطائفية والمذهبية والحزبية ووباء الكوفيد وغيرها.

هذا ظلم، لكنّ اللافت في حركة المتظاهرين يوم الثلاثاء الماضي دعواتهم العالية الممزوجة بالإحباط لحثّ كلّ الناس ترك بيوتهم وشاشاتهم للنزول والمشاركة.هناك حنين راسخ واضح ومعلن لـ 17 أكتوبر. لن أعمّر على تجدّد التظاهرات ولا على الإحباط، ولا تعنيني أسبابه الآن، بل أتصوّر وصول لبنان إلى حافّةٍ أخطر بكثير ممّا أشرنا إليه وهي حافّة / شرفة الدم التي سبق ذكرها في المقال السابق. يؤجّل التصور ربّما عبر جرعات إقليمية ودوليّة تقينا بلوغ الحافة الخطيرة. علينا الإعتراف أنّنا، نعالج مصطلحاً صعباً لطالما أرّق الجامعيين والباحثين هو الرأي العام من دون بلوغ تفكيكه فهو خارج المفاهيم.

من هو الرأي العام؟ كيف يؤلّف ومن يحرّكه أو يشلّه؟ وكيف ولماذا؟ لا أجوبة نهائية تؤطّرظاهرة تاريخيّة نفسيّاة إجتماعيّة شديد التعقيد تفترض القوّة في التغيير والميوعة الغريبة في الإنحلال إذ لا معايير لاستنساحه وتعميمه بقدر بقائه ظاهرة مسكونة بالعفوية والصناعة والتدريب والمصالح، لكن يستحيل سجنه في أربعة أطرٍ أو جدران. ألم يقفز الأديب اللبناني سعيد تقي الدين إلى قمّة  المخاطرة الأدبيّة بوصفه الرأي العام ب: ال: ب غ  ل؟

ماذا حصل إذن؟

يوم الإثنين 1 آذار/مارس 2020، خطف الرأي العام خبر صدور حكم القضاء الفرنسي بسجن الرئيس السابق نيكولا ساركوزي لمدة 3 سنوات بتهم إتّفاقيات فساد واستغلال نفوذ (أضع خطّاً تحت كلمتي الفساد واستغلال النفوذ وهي كلمات تؤرّق اللبنانيين وخطوصاً تحت كلمة سجن لأنّه حلم اللبنانيين) في قضية "التنصت" التي يتخبّط فيها ساركوزي ذهاباً وإياباً في المحاكم، وأيضاً حبس المتّهمين قاضي التحقيق السابق جيلبير أزيبير لأنّه أفشى بمعلومات سرّية لمحامي ساركوزي تييري هرتزوغ  الذي منع من ممارسة المحاماة 5 سنوات.

واتهم ساركوزي ايضاً بدعم ترشيح أزيبير،  وكان حينذاك مدعيا عاما، للحصول على منصب مرموق في موناكو. وتعود أطوار قضية "التنصت" للعام 2014 في إطار التحقيق بتمويل ليبيا القذافي لحملة ساركوزي الرئاسية عام 2007 حيث استخدم خطا هاتفيا سريّاً باسم "بول بيسموث"، اسم زميل له أيام الدراسة.

قد لا يعرف الرأي العام أنّ مليونين و800 ألف تضجّ بها محرّكات المعلومات بحثاً عن ساركوزي الذي لا يعنيه الرأي العام بصفته إبناً لمهاجر مجري وأم يونانية يهودية تعمّد كاثوليكيّاً ونشأ في باريس وعمل في المحاماة دون الذهاب إلى المدرسة الوطنية للإدارة وقد صنّع إسمه ولمّعه وزيراً للداخليّة فرئيساً لطالما إعتبره جاك شيراك"متهوّراً ومنفوخاً بالعظمة".

ماذا ينتظر ساركوزي؟ الإستئناف أو وضع إسوارة برجله لسجنه في منزله، وينتظر17 آذار القادم لمحاكمته التي جعلت حياته "جحيماً" حسب قوله، لتمويل حملته الرئاسية 2012 من الزعيم الليبي معمّر القذّافي.

ماذا ينتظر اللبنانيون؟

في العام 1973 قبل وزير المالية جيسكار ديستان الذي صار رئيساً لفرنسا (1974-1981) هديّةً إلماس من بوكاسا الأوّل إمبراطور أفريقيا الوسطى، تمّ كشفها صحفيّاً ومحاكمته في الـ 1979 بعنوان "تلطيخ صورة الجمهورية" ينتظراللبنانيون جمهورية جديدة تتذكّر مضامين الديمقراطية وتتمتّع بما يتوقون إليه وما يسمعونه عن الأنظمة التي يصون قضاؤها "صورة الجمهورية" من أسياد التلطيخ. ينتظرون قطعاً فصل السلطات التي رفعها مونتسكيو عناوين للقضاء المستقل والعادل وفتح السجون واعتبار الشعب مصدر السلطات.

[email protected]  

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment