مسار عبد المحسن راضي
تعملُ اليونيسيف في الـ Levant العربي، كحادِلَةٍ نيو لبرالية، لمشاكِل الفقر، الطفولة، و الفئات الضعيفة. تُعبِّدُ طريقها إلى الحكومات العربية، بأسفلت الأرقام الخرساء؛ التي تأخذُها مِنْ الإحصاءات العالمية، و مِنْ نظيرتِها؛ تلك التي تحصُل عليها مِنْ حكومات المشرق العربي. الأرقام الخرساء، تُشبِهُ الممرات السَّرية؛ في قصر فيرساي، لكنها هنا تُخفي فيل المسؤولية، و تترُك لنا خرطومه.
الطفل العربي.. روسي
حَرِصَ الرئيس الروسي؛ فلاديمير بوتين، مرّاتٍ عديدة، على استخدامِ روايات تولستوي ومُعاصِره دوستويفسكي؛ كـ باليستي ثقافي، لاختراق القبة الأطلسية، للعقل الأوروبي تجاه موسكو. قرَّرَ أن يكون ذئباً ينامُ معها بعينٍ واحدةٍ فقط. الأرجح؛ إنَّ روح الإحسان والجمعيات الخيريّة؛ التي تُسيطِرُ على خِطاب السياسة الخارجية للقارة العجوز، هو ما كان يُريد الرئيس المُزمن لروسيا استثماره.
اليونيسيف، تحرِصُ في الأفريقيتين - الشرق الأوسط وشمال أفريقيا- على استخدام سرديَّة الأرقام، في قرعِ نواقيس الخطر الإنسانيّة. مثلاً؛ لَكَمَت مطلع 2021؛ السنة الثانية التي يستضيفُ بها العالم كوفيد 19، بخبرٍ مفادُه: إنَّ 39 مليون طفلٍ في المنطقة مُعرَّضين للخطر، ويحتاجون مساعداتٍ طارِئة.
استطاعت ثلاثُ بلدانٍ عربية: سوريا، السودان، و اليمن، أن تحصِدَ 24.4 مليون مِنْ هذهِ الـ 39 مليوناً. إذا أردنا أن نُضيف العِراق، لتجاوز الرقم الـ 29 مليوناً. باختصار؛ ربعُ مساحة الوطن العربي تقريباً، المكوَّنة مِنْ الدَّوَل الأربع، شبيهةٌ بالسُفْنِ التي كانت تُتاجِرُ بالعبيد، لِصالح أوروبا و كولومبوس، لكنها هنا؛ زوارِقُ عزرائيل سريعة للأطفال، تمخُر عِباب الميديا بسرعةٍ صينية، روسية، و إيرانية؛ بحسبِ هيئة التحرير الأوروبية و الأمريكية.
العِلاج الذي اقترحتهُ اليونيسيف، هو توفيرُ 2.5 مليار دولار أمريكي، لتعطيل تلك القوارب. عِلاجٌ يحاوِلُ أن يُبقي العالم معقولاً. هذا الحل؛ رفضتهُ شخصية إيفان، في رواية الإخوة كارامازوف. مفادُ مرافعة إيفان: العالم الذي تقومُ أمٌ فيه بحبسِ طفلٍ في الخامسةِ مِنْ عُمرِه؛ في الحمام، لأنه تبوَّل على نفسه، لا يُمكِن أن يكون معقولاً.
يونسي اللطيفة - اختصاري لِمُفردة اليونيسيف- لا يُمكن أن تستجيب لهذهِ الرؤية العدمية. هي تحاوِلُ ان تُعالِج ربو العنف و الفقر ضِدَّ الطفولةِ في العالم؛ ببخاخ جورج واشنطن. لكن مِنْ العيب على يونسي ذات الهندام الأممي، أن تُصنِّف بُلداناً في المشرق العربي؛ العِراق كمِثال، كبلدٍ يعاني مِنْ العُنف كمرضٍ تاريخي، بل تجِدُ إنّها غيرُ مُلزمة، بترجمة ذلك و لو حتّى بـ الأرقام الخرساء.
فعلت ذلك، عندما دقَّت جرس الإنذار، في الربع الأخير من سنة 2020، حيثُ زعمت: تصاعد عمليات العنف المنزلي ضِدَّ الأطفال في العِراق، مِنْ قِبَلِ أولياء أمورهم، بسبب المصاعب النفسية المرافقة للاحتجاز المنزلي، نتيجة كوفيد 19. الخبر لم توجد فيه أرقام أو نِسَبْ إحصائية. باختصار؛ كان تنبيهاً نازيّاً، صوَّر العِراق كـ أوشفيتز كبير للطفولة.
الدواء النيولبرالي لليونيسيف
يونسي؛ تُعلِنُ بشكلٍ صريح، بأنَّ الشَّرِكات الكبيرة في العالم، أصبحت شريكها المُفضَّل في الحصول على التمويل. هذهِ الشَّراكة الغرائبية، تصِلُ إلى حدِّ الإعلان التجاري، عن مُنتجات تلك الشَّرِكات.
نيولبرالية يونسي، تأتي مِنْ Paste مارشال الأمريكي، المأخوذ من الـ Copy الأوروبية، في تضاريس الأفريقيتين. لكن هذا النسخ الأمريكي و اللصق الأوروبي، يعتمِدُ على المواد الأوليّةِ في المنطقة؛ التي يحتلُ فيها النفط، الماس، و الثروة البشرية المعطوبة؛ بأمراء الحرب والطوائف، العناوين البارِزة عند الحديثِ عنها. هكذا عندما تُذكر الأفريقيتين، نستحضِرُ هذا الوصف المُستهلك: منطقة غنيَّة. طبعاً؛ يعومُ ذِكرهاُ في النفط أيضاً. بالتالي إن كانت كُل الطُرُق تؤدي إلى روما؛ فإنَّ النفط هو الاسمُ الرديف لهذهِ المنطقة. النتيجة النهائية؛ يُعبِّرُ عنها قولٌ مأثور، لهُ علاقة بسعر برميل النفط: تسعون بالمائة منه سياسة و العشرة الباقية اقتصاد.
يكفينا؛ أن نُطالِع لائحة الشَّرِكات المائة الكبيرة؛ التي تعملُ في الأفريقيتين، حتّى نجِد أن يونسي، تحصُل على تمويلها، مِنْ جِهاتٍ تُمارِسُ الرذيلة النفطية والفحش التعديني. معظمُ تلك الشَّرِكات الكبيرة؛ التي أعلنت يونسي تحالفُها الأبدي معها، تأتي أرباحُها مِنْ: نشاطات الاتصالات، الطيران، البتروكيماويات، و التكنولوجيا المالية. أي: تعدين الأثير، تعدين البحبوحة مِنْ جيوب دَّوَل الخليج العربي، المشتقات النفطية، و تعدين الأصول المالية -المشتقات المالية- التي أدَّت إلى الأزمة الماليّة العالميّة في 2008.
Motto يونسي
الروح الإنجليزية، محفورٌ فيها هذا الـ Motto: وِلِدنا لِنُضحي و لِنَحكُم. أمّا شِعارُ يونسي الأُممي: التنمية المستدامة؛ فهو حِرْزٌ؛ تستخدِمُه يونسي للبركة الدَّوْليّة في الأفريقيتين. هو كواقِع حالٍ، لا يعدو كونهُ بروش - دبوس زينة - يُستعملُ غالِباً لغلق المسافةِ؛ بين أي طرفين في قطعةِ ملابس. يونسي تُجيدُ الاستفادة مِنْ هذا الـ Motto، لغلقِ المسافة بين الأرقام الخرساء، و قُدرة الآخرين على استخدام لُغة الإشارة معها، لتعدينِ معناها، أو وضعِها في سياقٍ مفهوم.
الطفولةُ في العِراق وكمِثالٍ صارخ، مليئةٌ بِدبابيسِ هذا الشِعار. لِنَقُم مثلاً؛ باختيار سنوات 2010، 2016، و 2020، كمؤشِراتٍ على عدد الأطفال: المُعرَّضين للموت، الذين يحتاجون مساعدة إنسانية، و الأطفال و المراهقين الذين لم يستطيعوا الاستمرار في التعليم، تجِدُ أن يونسي لم تستطع ضرب تلك الأعداد على قفاها؛ كي تحني رأسها إلى الأسفل و لو قليلاً. الشيء الوحيد الذي قامت بهِ: تكحيلُ الواقع بمزيدٍ مِنْ الأرقام، لتنام الفاجعة على سرير Motto آخر: التنمية المستدامة.
يونسي؛ تتملَّصُ مِنْ المسؤولية، بتذكيرنا دائماً: إنّها تُمارِسُ نشاطاً استشارياً. للأمانة يونسي بذلك أكثرُ تواضعاً بذلك مِنْ شقيقتِها اليونسكو - سأذكرُ دليل تواضعِها في سطور الملاحظة التي سأختِمُ بها مقالي- التي صرَّح لي أحدُ مُمثِّليها السابقين: نحنُ حكومة الحكومات.
يونسي مع احترامِي الكبير لها، و جُرعة الأسف العِراقية، تعملُ لصالِح القوى العُظمى اللبرالية أبداً، و ستموتُ جهودُها غداً كما ماتت البارِحة، بسبب العلاج النيولبرالي؛ الذي لا يؤثِّرُ على الكوفيد الاستراتيجي لـ بكين و موسكو، لكنهُ بات قادِراً على تحويل العالم إلى أفريقيا كبيرة، لا تكفيها تضحياتُ ألف مسيح، ولا رِقَّة يونسي أنطوانيت!
ملاحظة: كان من المُفترض أن تُجيبني يونسي (هناك شقيقاتٌ أُخريات ما زلتُ انتظِرُ ردَّهُن)، خِلال الأيّام الماضية، لِتُساهِم الإجابات في تعدينِ مقالٍ أو تعبيد الطريق نحو حِوار. لكنّها فضَّلت كما يبدو: أن تُعلِن عن برامجٍ واتفاقياتٍ - لها علاقةٌ بأسئلتي - خِلال أيّام انتظاري! باختصار؛ مزيدٌ مِنْ أقداح الشاي الإعلامي، مع حكومة العِراق المصنوعة مِنْ بسكويت: الطوائف، أمراء الحرب، الأجندات الإقليمية و الدَّوْليّة، و سرِقة المال العام.











02/09/2021 - 14:57 PM





Comments