محمود كامل الكومي*
منذ أواسط القرن الماضي، وخاصة بعد أن حطت الحرب العالمية الثانية أوزارها، صارت الإجادة فى كل شيء هي المعيار والمقياس وتفضيل الأشياء على بعضها، والأشخاص كذلك، وتطورت حركة المجتمعات تطوراُ خطيرا وصار البحث العلمي يدرك كل الظواهر، فصارت الفضائيات وثورة الاتصالات وبدا (الانترنت)هو المحرك لكل النواحي الآن، وما كان ذلك ليحدث لولا أن هناك حكومات جادة وشخصيات على قمة أجهزة اتخاذ القرار (وجدت من زمن) فى دول العالم من الموضوعية بمكان، حتى فى بلاد العالم الفقير الذي كان يئن تحت براثن الاستعمار، غدت الثورات ورياح التغير تأتى برجال أشاوس جادين صارمين لأجل حكم موضوعي لا يرى فى مواقع العمل والفعل إلا شخصيات تدرك بجديتها اتخاذ القرار الصائب من اجل الصعود وحتى لو كان هناك من يرى فى الحكومات أنها فى سبيل الديكتاتورية وتثبيت حكمها، كانت تروض المروضين وتأتى بمن هم يروجون للحكام، إلا أنهم فى جميع الأحوال كانت لهم مقومات تبرهن على قدرتهم على الإقناع والتشخيص ولا تتدنى الى تفاهة ما يحدث الآن من أصنام يضعها الحكام لا تفقه للعقل عنوان وإنما هي للتفاهة عنوان .
فظواهر الأمور وبواطنها أيضا تدلل كلها على أن الوضع الحالي والآني فى كل مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية تحركها شخصيات جُبِلت على التفاهة فصارت هذه الصفة قرين القيادة وبدت سيطرة التافهين على مقاليد الحكم فى كثير من المجتمعات، واِن بدت أشد وضوحا فى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ” دونالد ترامب”. وفي عالمنا العربي صارت سيطرة التافهين سمة العصر الحاضر فتجلى حكم التفاهة.
فَي حين يستعين النظام براقصة من نوع (الغوازي) لتبرير سياسته فى رفع الأسعار، أذن فنحن فى نظام يتخذ من التفاهة عنوان. وحين يستدعى النظام،حملة المباخر من الكتاب والصحفيين ليروجوا الأكاذيب ويزوروا التاريخ على زعماء الوطن ومن حرروا البلاد من الاستعمار وعلموا الشعب الاستقلال فى القرار ويزيدوا من الهجوم على الزعيم جمال عبد الناصر نصير الفقراء بل ويمتد ذلك الى البطل صلاح الدين محرر بيت المقدس، كل ذلك لخدمة اسرائيل وللترويج للتطبيع معها، ويكون ذلك بأمر وتقدير جهات رسمية فى الدولة، فنحن أمام نظام عنوانه التفاهة.
وحين يتخذ من أثير الفضائيات منابر لبث سخافة الأقوال، وتهديد أعراض الأسر وفضح المستور، والسب بأقذع العبارات، ويتم التغاضي عن تلك الجرائم فى حق الرأي العام، فذلك تأكيد على سيطرة التافهين والمندسين لتشويه أفكار الشعب السوية وتحويلها الى تفاهة وتسلية .وعلى مستوى الحكومة … فهنا الوزارة وكيف تمتثل للعبارة .. والعبارة من وراء الكواليس تشير ” يمتنع على العلماء وأصحاب الفكر وكل من يدرك التقدم والانتصار للشعب ” المنصب الوزاري - ومن يمتثل لمافيا رجال الأعمال وشروط الصندوق والبنك الدوليين،هو أسير هذا المنصب - وحين يتدنى الوزراء وأصحاب المناصب العليا الى الفساد، فالرد جاهز ومن أين سنأتي بأصحاب الكفآت والمحترمون يمتنعون وبالتالي فليس أمامنا بديل إلا الموجود من التافهين وصناع الفساد
وعلى ذلك تشكلت حكومات الأوطان، ممن يُسيرون الأمور لمافيا رجال الأعمال عملاء الصهيونية العالمية والاستعمار- قِس على ذلك كل المناصب السيادية - وحتى فى المواقع التى تشكل وجدان الشعب سارت المافيا تدفع بالتافهين من الكُتاب وأدعياء الفن والإخراج والموسيقى والغناء، وبدا التمثيل تمثيل على الشعوب، فسادت الفوضى فى كل النقابات، وبدت النقابات الفنية والفكرية ناهيك عن المهنية، تتولى أمرها شخوص من التوافه التى أتت على الوجدان فصار عديم الوجود وعلى الانسان فانتهكت الإنسانية، وتصارعت الأشخاص كمصارعة الثيران بديلا عن الصراع الفكري الذي يثرى الحياة والوجدان، فصارت التفاهة أبداع .
وقد وصل الأمر الى حد أن شرعنت التفاهة، لذا صُنِعت برلمانات التفاهة التى تكونت من شخصيات تافهة،أتت عن طريق المال السياسي، ومول حملاتها الانتخابية مافيا رجال الأعمال ممن مصوا دماء الأبرياء - فغدت كل القوانين الصادرة عنها تبرر غسيل الأموال وجرائم الاعتداء على مال الشعب وتجرم الإبداع وحب الوطن واعتبار اسرائيل عدو وجودي، وغدت التشريعات الصادرة عنها تبيح المحظورات وتغذى التفاهة، فصار القانون بمعناه الحقيقي أنه” مجموع القواعد التى تقيم نظام المجتمع،فتحكم سلوك الأفراد وعلاقاتهم منه” فى أجازة - وغدا القضاء الى تطبيق تشريعات تبتعد بسلطة القضاء الى غير ذلك مما بجدر بالقضاء تطبيقه .. فسيطر التافهين وبدا حكم التفاهة .
وبحثاً عن الأسباب التي جعلت التافهين يمسكون بمواقع القرار في العالم، سياسياً، واقتصادياً، وفى كل المناحي… كلمات رائعة قيلت في كتاب الفيلسوف الكندي (ألان دونو) عنوانه «Mediocrities»، أو نظام التفاهة وعنه، تستحق أن يقال أكثر منها عن شرقنا و وعالمنا العربي .
يقول ألان دونو :السياسية نصيحة فجّة لأناس هذا العصر: «لا لزوم لهذه الكتب المعقدة. لا تكن فخوراً ولا روحانياً. فهذا يظهرك متكبراً. لا تقدم أي فكرة جيدة. فستكون عرضة للنقد. لا تحمل نظرة ثاقبة، وسع مقلتيك، أرخ شفتيك، فكر بميوعة وكن كذلك. عليك أن تكون قابلاً للتعليب. لقد تغير الزمن. فالتافهون قد أمسكوا بالسلطة«!.
وحين يسأل عن أسباب هذا التحول، يعيد ذلك إلى عاملين اثنين، في السوسيولوجيا والاقتصاد، كما في السياسة والشأن العام الدولي
السبب الأول يعزوه دونو إلى تطور مفهوم العمل في المجتمعات. يقول إن «المهنة» صارت «وظيفة». صار شاغلها يتعامل معها كوسيلة للبقاء لا غير. يمكن أن تعمل عشر ساعات يومياً على وضع قطعة في سيارة، وأنت لا تجيد إصلاح عطل بسيط في سيارتك. يمكن أن تنتج غذاء لا تقدر على شرائه. أو تبيع كتباً ومجلات وأنت لا تقرأ منها سطراً. انحدر مفهوم العمل إلى «المتوسط». وصار أشخاصه «متوسطين»، بالمعنى السلبي للكلمة. صار العمل مجرد أنماط. شيء ما من رؤيوية شابلن في «الأزمنة الحديثة» أو فريتز لانغ في رائعة «متروبوليس».
السبب الثاني مرتبط وفق دونو بعالم السياسة ومجال الدولة والشأن العام. هنا بدأت سيطرة التافهين يقول، أو ولدت جذور حكم التفاهة مع عهد مارغريت تاتشر. يقول انه يومها جاء التكنوقراط إلى الحكم. استبدلوا السياسة بمفهوم «الحوكمة»، واستبدلوا الإرادة الشعبية بمفهوم «المقبولية المجتمعية»، والمواطن بمقولة «الشريك». في النهاية صار الشأن العام تقنية «إدارة»، لا منظومة قيم ومثل ومبادئ ومفاهيم عليا. وصارت الدولة مجرد شركة خاصة. صارت المصلحة العامة مفهوماً مغلوطاً لمجموع المصالح الخاصة للأفراد. وصار السياسي تلك الصورة السخيفة لمجرد الناشط اللوبي لمصلحة «زمرته».
من هذين المنطلقين، تنميط العمل وتسليعه وتشييئه، وتفريغ السياسة والشأن العام، صارت التفاهة نظاماً كاملاً على مستوى العالم. وصارت قاعدة النجاح فيها أن «تلعب اللعبة». حتى المفردة معبرة جداً وذات دلالة. لم يعد الأمر شأناً إنسانياً ولا مسألة بشرية. هي مجرد «لعبة». حتى أن العبارة نفسها راجت في كل لغات عالم التفاهة: «أن تلعب اللعبة». وهي قاعدة غير مكتوبة ولا نص لها. لكن يعرفها الجميع: انتماء أعمى إلى جسم ما، يقوم على شكليات السهرات والغداءات والانتقامات. بعدها يصير الجسم فاسداً بشكل بنيوي قاطع. حتى أنه ينسى علة وجوده ومبادئ تأسيسه ولماذا كان أصلاً ولأية أهداف… أفضل تجسيد لنظام التفاهة، يقول دونو، صورة «الخبير». هو ممثل «السلطة»، المستعد لبيع عقله لها. في مقابل «المثقف»، الذي يحمل الالتزام تجاه قيم ومثل جامعات اليوم، التي تموّلها الشركات، صارت مصنعاً للخبراء، لا للمثقفين!.
حتى أن رئيس جامعة كبرى قال مرة ان «على العقول أن تتناسب مع حاجات الشركات». لا مكان للعقل النقدي ولا لحسه. أو كما قال رئيس إحدى الشبكات الإعلامية الغربية الضخمة، من أن وظيفته هي أن يبيع للمعلن، الجزء المتوفر من عقول مشاهديه المستهلكين. صار كل شيء، والأهم أن الإنسان صار لاكتفاء، أو حتى لإرضاء حاجات «السوق».
هكذا يرى دونو أنه تم خلق نظام حكم التافهين. نظام يضع ثمانين في المئة من أنظمة الأرض البيئية عرضة لأخطار نظام استهلاكهم. ويسمح لخمسين في المئة من خيرات كوكبنا بأن تكون حكراً على واحد في المئة من أثريائه. كل ذلك وفق نهج نزع السياسة عن الشأن العام وعن التزام الإنسان.
كيف يمكن مواجهة حكم التافهين هذا؟ يجيب دونو: ما من وصفة سحرية. الحرب على الإرهاب أدت خدمة لنظام التافهين. جعلت الشعوب تستسلم لإرادات مجموعات، أو حتى لأشخاص، كأنهم يملكون عناية فوقية. بدل أن تكون تلك الحرب فرصة لتستعيد الشعوب قرارها. إنه خطر «ثورة تخديرية» جديدة، غرضها تركيز حكم التفاهة. المطلوب أن نقاوم التجربة والإغراء وكل ما لا يشدنا إلى فوق. ألا نترك لغة الإدارة الفارغة تقودنا. بل المفاهيم الكبرى. أن نعيد معاني الكلمات إلى مفاهيم مثل المواطنة، الشعب، النزاع، الجدال، الحقوق الجمعية، الخدمة العامة والقطاع العام والخير العام… وأن نعيد التلازم بين أن نفكر وأن نعمل. فلا فصل بينهما.
الأساس أن نقاوم!.
*كاتب ومحامي - مصري











12/26/2020 - 11:02 AM





Comments