
جبران تويني
الدكتور نسيم الخوري
للحبر مراراته المدموغة بالدماء التي لا تهضم في لبنان يا جبران، ولا يمكن هضمها وتصوّرها في لبنان الغريب العجيب اليوم. كنّا نتصوّر أن اللبنانيين، على اختلاف طوائفهم وانتماءاتهم، قد " أكلوا" الحروب التي دمّرتهم منذ ال1975، لكنهم ما زالوا كتلاً طائفية هزيلة مفتونة باستدعاء الحروب والعنف الجهنمي الهمجي أكثر مما هم مفتونين، وأنت نسيج حبرك، بالحبر وطعم الحرية التي يقتضيها كلّ قاصد للكتابة والسياسة وتركيز الأوطان. لم يفهموا بعد من أن لبنان يعني حرية السمكة المطلقة في المحيطات والبحار والأنهار والسواقي وحتى الجداول مهما ضاقت مساحاتها ومجاريها ومصباتها.
تلازمني صورتك شاباً طموحاً بحجم جادة "الشانزيلزيه" ومهندساً جريئاً لبدايات "النهار العربي والدولي" النصفي، ونحن جبرانك في مجلة" المستقبل" التي أشتراها الشهيد رفيق الحريري من الروائي والكاتب رئيس التحرير نبيل الخوري ليحوّلها شاشة وكأنّ الضوء أقوى من الحبر وأسلس وباتت اليوم تيّاراً حزبيّاً قلقاً لا ينام.
آه من الأحزاب كم خرّبت وبعثرت آمال اللبنانيين!
الوطن يضمر دون مساحة الديك الذي صار قطعاً مبعثرة يصعب إعادة تركيبها. أكتبك اليوم، لأنّ غيابك مرهق، ولأنّ لحبرك وصوتك الأرتوذكسيين آفاق ولدت وكبرت وعاشت ورقصت على تخوم الموت كوجه آخر للحياة بالنسبة للشباب.
علّمتنا باريس شباباً، أن نعصر السمكة ونصفّي دمها بانتظار الحبر الصافي والحرّ الأصيل. ليس هناك من حرية تتجاوز أو تضاهي حرية السمكة، ولو طبّقنا المربّع الأرسطي وإسراره لقلنا معاً:
ليس هناك ما هو أكثر حرية من الحبر! إنهم يكرهون الحريّة في نظام ديمقراطي ÷و من أ‘تي الدكتاتوريّات. وكأنهم وحدهم في لبنان وليس هناك من شعب.
وعليه أقسم معك مجدّداً:
" نقسم بالله العظيم، مسلمين ومسيحيين، أن نبقى موحّدين، إلى أبد الآبدين، دفاعاً عن لبنان العظيم".
تداوي هذه الكلمات اللبنانيين في زمن يعيد لملمة الصيغ والأفكار والعناوين المحليّة والمستوردة الخطيرة للبنان المتحيّر والمتعب. نظيف قسمك يا إبن غسّان تويني وقد أطلقته في 14 آذار 2005. يستغرق فيه اللبنانيون، وكأنّه مقطع من النشيد الوطني، يستعاد في الإعلام والأذهان دمعةً مقدّسة على اغتيالك رئيساً لصحيفة "النهار" ونائباً صلباً سقط في مثل هذا اليوم بالذات أي 12 كانون الأوّل/ ديسمبر، 2005 . يومها تشبّثت الألسنة والعيون والأقلام لتملأ حيّزك الواسع وتروح الجذور إلى الغسّاسنة المستقيمي الرأي وعميدهم الغسّان. لقد أنجزت فريداً للسمكة جواز سفرها قبل سفرك، ومنحتها لأن تعيش وتسبح حتّى ولو ضاق محيط مائها/حياتها، فصرت الآن صياحاً في منقار الديك ولمعةً في عين الوطن المتعب. إنّك الصوت المفلوش بمساحة صحافة الكوكب يا صديقي ولو كان العصر عصر سبابات.
أتعرف لماذا؟
لأن الحبر يعيش حياةً أبدية أيّها الأبدي، ولو غابت الأصابع والأذهان والأجساد فهي تبقى تتوالد. نايلة تناول الحريّة من باب العين نقطةً من دموعها الوحيدة الطريّة وقد انسكبت بعد انفجارالمرفأ ال"نووي" الذي دمّر وجودنا وعاصمتنا بما يربك الأمم والتاريخ والعصابة. تخلّعت شبابيك إمبراطورية النهار، وطحن الزجاج وتبعثرت الأبنية، وليس هو المجال. عذراً! لربّما سمعت هناك بما حصل، أظنّ الله عابساً لذلك إن لم تعرفوا السبب بعد.
أسوق الكلمات كما قسمك والصلاة، ولا أرفع قبعتي إلاّ للعقل الحر المتصالح مع نفسه أوّلاً. أبحث عن مساحة تسبقني الى عقلك الحر في ثقافة العرب. وفي لبناننا سجادة الإستعداء والإستقواء وفوقها القبائل، تضعك أمام الأفاق الموصدة بصيغة الكثرة بمعانيها وأبعادها السلبية، لتوصد الأبواب والنوافذ، في وجه كلّ عقل حر.
وترشدني النظرة الى آفاقك حاجةً لصوتك، مقارناً أثلام الفلاحة التي يتنافس برسمها الفلاحون مع أسطر الكتابة التي لم تشبع فيك ومنك خطيباً وكاتباً.
ينتظم العالم أمامي فتراني فلاّحاً منبوذاً تشققت يداه من صدقيّة الحبر، وأخي الأكبر راجح والزملاء الأصدقاء يفلحون بدورهم متعبين يلتمسون القرّاء كما القصائد الضائعة عن التعبير حفظاً. وهناك الثوّار يتدرّبون في أصول الكتابة المبلولة بخوف من يومك"الكانوني" الحارق بدمائه أوأمطاره للجاحظ عمرو بن بحر أبو عثمان في كتابيه " البيان والتبيين" و" الحيوان".
تشخص النصوص إليك جبران، تتلمّس شعرها وحواسها والإبداع والمشاهد التي لا تنتهي في مثل هذا النهار إنفجارات بغيضة مخيفة ترتجف أمامها أرحام مصانع القذائف في الغرب والشرق.
باق بالصورة والصوت يا جبران. هي الصورة باتت أقوى من العين في عالم الإعلام والشاشات إذ نشمّ بأعيننا وبها نسمع ونأكل للبقاء بمعنى الحياة. يبقى بصرنا حيّاً الى حين، ولكن حبرناوقسمك باق إلى الأبد.
تتجاوز الكتابة الموت إلى الحياة. وعندما ألبست دمك كتابي المعنون :"تفجير الحبر"، ذيّل دولة الرئيس الدكتور سليم غلافه الأخير بنصّ كتب فيه: "عندما يتفجّر الحبر ينطق الورق"، وأقول يتفجّر الوطن لينطق جديداً.











12/12/2020 - 13:02 PM





Comments