من صراع المصالح إلى حضارة القلب
الانتخابات الأميركية، البابا، الحروب العالمية وأسبابها
الخوري الدكتور نبيل مونس
لم أكتب سابقاً عن الانتخابات الأميركية، لكنني اليوم أشعر بأن عليّ أن أقرع أجراس الإنذار في وجه العالم، وأن أرفع الصوت قبل أن تتسع دائرة الخطر.
أولى الملاحظات التي يمكن استخلاصها من نتائج الانتخابات هي أن المجتمع الأميركي، في عمقه، لا يتحرك بالضرورة وفق قواعد أيديولوجية أو دينية ثابتة. وهذا التحول الكبير ليس وليد اليوم، بل سبق أن ظهر في مراحل سابقة من تاريخ الولايات المتحدة. وهو يكشف لنا حقيقة لا يمكن تجاهلها: أن الإنسان السياسي والاقتصادي بات المحرّك الأساسي للعالم منذ سقوط الإنسان وابتعاده عن عالم النعمة الإلهية.
وأضيف إلى ذلك أن المجتمع الأميركي المعاصر، المخدوع أحياناً بشعارات الديمقراطية، لم يعد يتعامل مع مشكلاته انطلاقاً من رؤية أخلاقية وروحية جامعة. بل إن بعض الذين يرفعون شعارات دينية باتوا يتعاملون مع الواقع بمنطق العصبية والانحياز الأعمى، وكأن القاعدة التي تحكمهم هي: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً». إن هذا المنطق، إذا استمر، لن يقود العالم إلا إلى أزمة وجودية كبرى.
إن كثيراً من العقول تبحث عن السلام والديمقراطية، وهذا أمر نبيل يستحق التقدير. لكن المطلوب هو الغوص إلى أعماق هذه المفاهيم، لا الاكتفاء بشعاراتها، إذا أردنا أن نخلّص مستقبل أطفالنا ونحمي مستقبل العالم.
لن ينجو العالم من الدمار الشامل بتدمير الآخر، ولا بإلغاء الضعيف أو الغريب، ولا بإخضاع الشعوب لمنطق القوة. ولن يجد طريق الخلاص إلا إذا أصغى إلى صوت المظلوم، أينما كان، وفي كل زمان ومكان.
العالم اليوم بحاجة إلى أن يسمع نداء نبض القلب؛ في الأحشاء والعقول، وفي صناديق الانتخابات أيضاً.
فالقلب ينادي أولاً بالنبض، وبالحياة دائماً، وبالصرخة والدمعة، وبالإحساس الذي يسبق الحسابات العقلية والمواقف الأيديولوجية والعقائدية المتصلبة.
إن الإنسان يقضي سنوات طويلة في تهذيب عقله وإنارة روحه؛ يدرس ويقرأ ويبحث، علّه يصل إلى شيء من أسرار القلب. لكنه، حين يقبل الروح وينفتح على ومضة النور الإلهي المقدس، يستطيع أن ينقّي قلبه، وينير ذهنه وعقله، ويتحرر من الأخطاء والخطايا التي تتكرر في تاريخ البشرية.
ولعل أخطر هذه الخطايا خطيئتان أصليتان في مسيرة الإنسان: الأولى هي إنكار الله، وكأن الإنسان يستطيع أن يقتل الله ليعلن انتصار الإنسان واستقلاله المطلق. والثانية هي قتل الأخ الإنسان، تحت أي ذريعة أو سبب أو مبرر.
ومن جديد، أطلق هذا النداء من هذا المنبر الجريء، لأنني أرى أن هناك كثيراً من العبث بالعقول، وتلاعباً بالأفكار، واستغلالاً للغرائز الحيوية في الإنسان، مع توظيف أساليب الخداع والافتراس في سباق محموم للسيطرة على الزمن والتاريخ، سواء في السياسة أم في الثقافة.
لقد عرفت المجتمعات القديمة بدورها كثيراً من الأفكار والتحولات السياسية والفلسفية. عرفت تعددية الآلهة، وعرفت الديمقراطية والأوليغارشية، وتنوّعت فيها أشكال الحكم والسلطة. ومع ذلك، لم تستطع هذه التجارب وحدها أن تحلّ معضلة الإنسان الوجودية.
فالخلاص، أيها الأحبة، ليس في معرفة من يحكم العالم، ولا في استبدال سلطة بأخرى، ولا في رفض حضور الله من أجل التحرر المزعوم، ولا في الخضوع للأقوى أو للأغنى أو للأكثر نفوذاً.
السلام يبدأ من القلب.
عندما يهدأ قلبك، ويرى عقلك العدل، تبدأ العقدة الوجودية بالانفراج، ولو إلى حين. فالسلام ليس مجرد اتفاق سياسي، ولا توازناً في المصالح والقوى، بل هو أولاً مصالحة الإنسان مع الله، ومع أخيه الإنسان، ومع ذاته.
فيا أهل الأرض، ارحموا بعضكم بعضاً!
أصغوا إلى رسول السلام، وإلى رسول القلب الذي أرسله الله إليكم. وتأملوا في هذا النداء الإنساني والروحي الذي يتجدد اليوم في رسالة البابا.
كيف استطاع البابا أن يتجاوز محنة مرضه، وأن يستعيد عافيته بهذه القوة؟ إنني أرى في ذلك علامة رجاء ودعوة إلى الحياة، وإلى التمسك برسالة الخلاص من أجل العالم. إنه رسول القلب والرحمة والمحبة، وصوت يدعونا إلى أن نعيد الإنسان إلى قلب اهتماماتنا.
السلام يقرع أبوابكم، عند أبواب مدنكم، وفي قلب عالمنا المعاصر. فلا تغلقوا الأبواب في وجهه!
اذهبوا إليه، يا من تحبون الله. اقتربوا منه، يا محبي الإنسان. لدينا اليوم أمل في بناء حضارة جديدة؛ حضارة القلب، والمساواة، والمسامحة، والرحمة.
هلمّوا، رافقوا رسول السلام، وأصغوا إلى رسالة العلم والقلب والإنسانية. فما زال بإمكان أطفالنا أن يروا عالماً أفضل، إذا قررنا اليوم ألا نورّثهم حروبنا وأحقادنا وخطايانا.
أصغوا إلى دقات قلبه، وإلى وقع كلماته؛ ففيها شيء من الحياة، ومن كلمات الأمهات، ومن صرخات الودعاء، ومن أحلام الشباب الذين ينتظرون مستقبلاً لا تحكمه الحروب، بل تصنعه المحبة والعدالة.
إن العالم لا يحتاج إلى منتصر جديد بقدر ما يحتاج إلى قلب جديد.
إنه بحاجة إلى حضارة لا تقتل الله لتُحيي الإنسان، ولا تقتل الإنسان باسم الله، بل تفتح قلبها لله لكي يحيا الإنسان، ويعيش أخوه الإنسان بكرامة وسلام.
تنويه من إدارة بيروت تايمز
الآراء الواردة في المقالات المنشورة على موقع "بيروت تايمز" الإخباري تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تمثّل بالضرورة رأي أو موقف الموقع أو إدارته.





