من داربعشتار إلى باريس… حين يرتدي الإبداع اللبناني ثوبًا من الشوكولاتة – أخبار نجاحاتهم قادمة إليه من بعيد.
من سلسلة «لبنانيون في الاغتراب»
كتب: أكرم مندامي زين الدين *
لم تكن أوريانا حنا سارة، ابنة داربعشتار، بحاجة إلى أن تنسج علمًا لبنانيًا من الشوكولاتة حتى تعرّف العالم إلى وطنها. كان يكفي أن تقف في باريس إلى جانب فستان صنعته من مادة اعتدنا أن نراها على موائدنا، فإذا بها تتحول بين يديها إلى قطعة فنية تستحق أن تقف أمامها العيون.
هناك، في «صالون دو شوكولا»، أحرزت الشابة اللبنانية المرتبة الثانية، لكنني حين توقفت أمام صورتها، لم يكن ترتيب الجائزة أول ما استوقفني. رأيت شابة تقف إلى جانب عملها، تحمل علم لبنان، وفي عينيها هدوء من يعرف مقدار التعب الذي يسبق لحظة النجاح.
لا أعرف كم ليلة أمضتها أوريانا وهي تختبر فكرتها، ولا كم محاولة سبقت ذلك الفستان. ولا أريد أن أنسب إليها حكاية لم تروها. لكنني أعرف أن ما يبدو للناس إنجازًا في لحظة، قد يكون وراءه زمن طويل من التعلّم والصبر والتجربة.
ولعل أجمل ما في هذه الحكاية أن الشوكولاتة، التي تذوب بحرارة اليد، استطاعت أن تحمل فكرة بقيت متماسكة أمام لجنة تحكيم وجمهور في واحدة من عواصم الأزياء والفنون.
غير أنني، وأنا أتأمل الصورة، وجدت نفسي أمام سؤال يتجاوز أوريانا وفستانها: كم أوريانا يملك لبنان؟ وكم موهبة لبنانية احتاجت إلى أن تعبر البحر حتى تجد من يفتح لها باب التجربة، ويمنحها فرصة المنافسة؟
ليس في السؤال انتقاص من لبنان، ولا من قدرات أبنائه الذين يعملون فيه ويبدعون رغم الصعوبات. إنما هو سؤال عن العلاقة بين الموهبة والبيئة التي تحتضنها. فالموهبة قد تولد في قرية صغيرة، لكن تحويلها إلى إنجاز يحتاج إلى تعليم وفرص ومؤسسات وأسواق تؤمن بأن الإبداع ليس ترفًا، بل قيمة اقتصادية وثقافية يمكن البناء عليها.
ومن خبرتي في ميادين التنمية، تعلّمت أن البلدان لا تخسر أبناءها يوم يغادرون حدودها فحسب؛ بل تخسر شيئًا من مستقبلها حين تعجز عن بناء الجسور التي تصل نجاحاتهم في الخارج بفرص العمل والإنتاج في الداخل.
وهنا تكمن مسؤولية الدولة، كما مسؤولية مؤسسات القطاع الخاص والجامعات والهيئات المهنية. فليس المطلوب أن يعود كل مغترب إلى لبنان، ولا أن نحمّله عبء إصلاح ما عجزت عنه المؤسسات. المطلوب أن يستطيع اللبناني الناجح في الخارج أن يجد في وطنه شريكًا، وأن يجد الشاب المقيم في لبنان طريقًا يصل به إلى المعرفة والخبرة والأسواق العالمية.
أوريانا لم تحمل في صورتها مشروعًا اقتصاديًا، ولم تطلب من أحد أن يستخلص من فستانها درسًا في التنمية. هي ببساطة صنعت عملًا جميلًا، وحققت به إنجازًا يستحق التهنئة. أما نحن، فمن حقنا أن نقرأ في نجاحها ما هو أبعد من المناسبة.
لقد اعتدنا أن نفرح بأبنائنا حين يرفعون العلم اللبناني على منصات العالم. نفرح بهم، ثم نطوي الصفحة، وننتظر خبرًا جديدًا. ولكن ماذا لو تحولت هذه النجاحات المتفرقة إلى جسور دائمة بين اللبنانيين في الداخل والخارج؟ ماذا لو أصبحت خبرة مصمم في باريس، أو مهندس في دبي، أو طبيب في أميركا، أو رجل أعمال في أفريقيا، بابًا يُفتح أمام موهبة لبنانية أخرى؟
حينها لن يكون الاغتراب مجرد حكاية رحيل ونجاح فردي، بل امتدادًا لقدرة لبنان على الحضور والإنتاج، حتى في أصعب ظروفه.
أعود إلى صورة أوريانا. إلى الفستان البني بتفاصيله الدقيقة، وإلى العلم الذي حملته أمام عدسة المصور.
وأفكر في تلك المسافة بين داربعشتار وباريس؛ مسافة تقاس بالكيلومترات على الخرائط، لكنها في حياة المبدعين تُقاس بما يعبرونه من تحديات، وما يجدونه من فرص، وما يتركونه وراءهم من أثر.
هنيئًا لكِ يا أوريانا. لقد صنعتِ فستانًا من الشوكولاتة، لكن ما يستحق أن يبقى بعد ذوبان الشوكولاتة هو أثر الموهبة التي صنعته.
ولعل لبنان، الذي اعتاد أن يفتخر بأبنائه في العالم، يحتاج اليوم إلى أن يتعلم كيف يستثمر في أحلامهم قبل أن تصبح أخبار نجاحاتهم قادمة إليه من بعيد.
* استشاري وخبير في الشؤون الاستراتيجية والتنمية الاقتصادية