تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

وجدي العريضي لـ «بيروت تايمز»: الانتخابات النصفية الأميركية لن تغيّر ثوابت السياسة تجاه لبنان

الضربة الإسرائيلية المحتملة قد تكون كبيرة ومحدودة زمنياً

الكاتب والمحلل السياسي وجدي العريضي: اتفاق الإطار باقٍ ويشكّل ضمانة للبنان، والمفاوضات مع إسرائيل شاقة… وعلى الدولة استعادة دورها وإنصاف المودعين وفتح أبواب الاستثمار أمام الأشقاء العرب

بيروت – بيروت تايمز | حوار: منى حسن

في ظلّ التحولات السياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وما يرافقها من ترقب لنتائج الانتخابات النصفية الأميركية وانعكاساتها على ملفات الشرق الأوسط، يقف لبنان أمام مرحلة دقيقة ومفصلية، تتداخل فيها الحسابات الإقليمية والدولية مع الاستحقاقات الداخلية، وسط مخاوف من تصعيد إسرائيلي جديد، مقابل استمرار المساعي الدبلوماسية للحفاظ على اتفاق الإطار ومنع انزلاق البلاد إلى مواجهة أوسع.

وبين احتمالات الحرب وفرص التسوية، يبقى السؤال الأساسي: هل تستطيع واشنطن، بعد الانتخابات النصفية، تغيير مسار سياستها تجاه لبنان والمنطقة؟ وهل يشكّل اتفاق الإطار مظلة واقية من التصعيد الإسرائيلي؟ وماذا عن الدور الخليجي والاستثمارات العربية في ظل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تثقل كاهل اللبنانيين؟

في هذه المقابلة مع «بيروت تايمز»، يقدّم الكاتب والمحلل السياسي وجدي العريضي قراءة سياسية شاملة للمشهد اللبناني والإقليمي، متناولاً تداعيات الانتخابات الأميركية، ومستقبل المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، واحتمالات الضربة العسكرية، وصولاً إلى العلاقات اللبنانية – الخليجية وضرورة إعادة الاعتبار للقطاع الخاص، ومعالجة أزمة المودعين، وتفعيل اللامركزية الإدارية.

ويرى العريضي أن الرهان على تبدّل جوهري في السياسة الأميركية تجاه لبنان ليس في مكانه، وأن اتفاق الإطار سيبقى قائماً رغم صعوبة المفاوضات، محذراً من ضربة إسرائيلية محتملة، ومشدداً في المقابل على أن إنقاذ لبنان يبدأ من استعادة الدولة لدورها، وتنفيذ الإصلاحات، وفتح صفحة جديدة مع المستثمرين العرب واللبنانيين.

وفي ما يأتي نص الحوار:

س: ما هي انعكاسات الانتخابات النصفية الأميركية على لبنان؟ وهل الحرب لا تزال قائمة؟

ج: بصراحة متناهية، يخطئ من يراهن في لبنان على تبدّل السياسة الأميركية الخارجية؛ فهي سياسة تاريخية، سواء أكان الحزب الديمقراطي في السلطة أم الحزب الجمهوري، ولذلك فإن رهان البعض في غير محله. وبمعنى آخر، إسرائيل هي واشنطن والعكس صحيح. وبمعنى أوضح، قد تكون هناك اختلافات وتباينات في العلاقة الأميركية – الإسرائيلية، إلا أنه في الأمور الاستراتيجية لا تتبدل الأوضاع، كذلك فإن السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط لم يسبق أن شهدت تغييراً جوهرياً.

وعلى هذه الخلفية، فإن تداعيات الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة سيكون لها دورها على صعيد المنطقة والخليج تحديداً، ولبنان بشكل خاص، لكن في القضايا الأساسية لن يكون هناك تبدّل في الموقف الأميركي.

س: هل يعني ذلك أن اتفاق الإطار باقٍ؟

ج: معلوماتي تشير إلى أنه يمكن أن تُعقد جلسة قريبة بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي برعاية أميركية، وذلك بانتظار عودة السفير الأميركي ميشال عيسى إلى لبنان، بعدما كان في الولايات المتحدة، حيث سيلتقي بالرؤساء ويضعهم في صورة الانتخابات والوضع اللبناني واستمرار اتفاق الإطار.

هذا الاتفاق سيبقى الضمانة للبنان، على الرغم من عدم تحقيق النتائج التي كان متوقعاً أن تتحقق، لكن المفاوضات، وكما قال رئيس الجمهورية، ليست بكبسة زر، بل ستستغرق وقتاً، وإسرائيل طرف صعب في التفاوض، ومتعنت وشاق في مقاربته للملفات المطروحة.

إلا أن إطار المفاوضات له حسناته، إذ إنه حيّد خلال الحرب الأخيرة على لبنان المنشآت المدنية والحيوية، وفي طليعتها المطار، وصولاً إلى مسألة تبادل الأسرى، ما يعني أن الأمور لن تتغير في هذا الإطار.

س: هل من حرب مرتقبة على لبنان من قبل إسرائيل؟

ج: باعتقادي، هناك ضربة إسرائيلية قد تكون كبيرة، لكنها محدودة ولن تستغرق وقتاً طويلاً، والأمر عينه بالنسبة إلى إيران، لا سيما أن وزير الدفاع الأميركي، وخلافاً لما قيل، باقٍ في موقعه، أو ما يُسمّى بوزير الحرب، وهو الذي سبق أن زار إسرائيل منذ أسبوعين والتقى بوزير الحرب الإسرائيلي، حيث جرى وضع بنك أهداف بينهما في أميركا ولبنان.

لذلك أتوقع أن تحصل هذه الحرب، ولكن في المقابل، فإن المفاوضات مستمرة على أعلى المستويات من أجل تجنب الحرب، وأرجحيتها هي الأكثر شيوعاً.

وبمعنى أوضح، أرى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سيسعى إلى تحقيق إنجاز ليقول للإسرائيليين: هذا أنا، لقد احتللت الجنوب وحافظت على أمن المستوطنات، ومن ثم يستكمل إنجازاته ليصل إلى إقليم التفاح، وذلك وفق ما تشير إليه التقارير الدبلوماسية الغربية وغيرها من المعطيات المرتبطة بالاستخبارات الدولية، وكل ما يتصل بهذا الملف.

س: ماذا عن لبنان في هذه المرحلة؟ وهل هناك قلق على الداخل وسواه؟

ج: أرى أن الجميع يتحين الفرصة ليبني سياسته على ما هو مقبل على لبنان، لكن كما قال النائب الدكتور إيهاب مطر، وبشكل واضح، فإن لبنان لا يمكنه إلا أن يراهن على الدولة ومؤسساتها والجيش اللبناني، وعلى الدولة في المقابل أن تنفذ قرارات مجلس الوزراء.

كذلك يجب أن يكون لبنان متضامناً مع المملكة العربية السعودية بعد الاعتداءات الحاقدة عليها من قبل الحوثيين. وحسناً فعل، كما قال النائب مطر، رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون عندما اتصل بالرئيس اليمني وأدان تدخل حزب الله إلى جانب الحوثيين.

هذا موقف شريف ونبيل، لأن المملكة العربية السعودية لها أيادٍ بيضاء على لبنان وسائر دول مجلس التعاون الخليجي، ولا يمكن للبنان أن يتجاهل هذه العلاقات التاريخية والدعم الذي قدمته الدول الخليجية له على مختلف المستويات.

س: هل من دعم خليجي مرتقب إلى لبنان في ظل ما يعانيه الخليج في هذه المرحلة؟

ج: هنا لا بد من الإشارة إلى أنه يجب أن تُسوّى أمور كثيرة، وأن تكون هناك أرضية صلبة للاستثمار، خصوصاً في ما يتعلق برجل الأعمال الإماراتي الشيخ خلف أحمد الحبتور، الذي أدارت الدولة ظهرها له، علماً أنه كان من أبرز المستثمرين في لبنان، حتى في عز الحروب والأزمات، بل كان المستثمر الأوحد والأبرز في مراحل صعبة مرّ بها البلد.

وهذا يعني أنه يجب معالجة هذه المسألة، وتسوية أوضاع المودعين، وأن يستقبله رئيسا الجمهورية والحكومة، مع توجيه دعوة رسمية إليه، لأنه يحب لبنان ويقدّره ولم يسبق أن قصّر معه.

هناك آلاف العائلات التي تعيش من خلال عملها في مؤسساته، وهذه مسألة واضحة لا تحتاج إلى أي تأويلات أو اجتهادات. وقد كانت هناك مواقف نبيلة من كبار المسؤولين اللبنانيين دعماً للشيخ خلف أحمد الحبتور في هذا الإطار.

إن لبنان بحاجة إلى إعادة بناء الثقة مع المستثمرين العرب، ولا سيما الأشقاء الخليجيين، لأن الاستثمار لا يقوم على المجاملات، بل على الثقة والاستقرار والبيئة القانونية والاقتصادية السليمة.

وجدي العريضي

س: هل هناك قلق في المرحلة المقبلة على ضوء الانهيار الاقتصادي والاجتماعي؟

ج: بصراحة، على الدولة أن تلتزم وتطبّق اتفاق الطائف اليوم قبل الغد، وخصوصاً ما يتعلق باللامركزية الإدارية، حيث تلعب البلديات دوراً أساسياً في معظم المناطق اللبنانية.

وها هي بلدة الباروك، كبرى بلدات الشوف، ومن خلال رئيس بلديتها الدكتور فادي محمود، تقيم الندوات الطبية والثقافية، وتدعم مستوصف البلدة بأحدث المعدات، فضلاً عن المواكبة والمتابعة الإنمائية والتنموية، ناهيك عن دعم المزارعين والقطاعات السياحية وغيرها.

وهذا الدور يُرفع له القبّعة، من خلال الجهود التي يبذلها رئيس البلدية الدكتور فادي محمود، وهو نموذج لما يمكن أن تقوم به البلديات في خدمة مجتمعاتها المحلية، وهذا ما ينسحب على بلديات كثيرة في لبنان.

وفي مجال آخر، فإن ما يحصل اليوم اقتصادياً واجتماعياً أمر مقلق ومخيف. وهنا أرى أن ما قاله وزير الاقتصاد السابق رائد خوري مهم جداً، ولا سيما في ما يتعلق بالتكامل بين القطاعين العام والخاص، لأن القطاع الخاص ناجح في لبنان، داخلياً وعلى مستوى الخارج، بعيداً عن سياسة الاستجداء والهبات من هنا وهناك.

كذلك يجب أن تعود المصارف إلى عملها ودورها الطبيعي، وأن تتم معالجة أزمة المودعين ومحاسبة المسؤولين عن هدر أموالهم. فمن كان وراء هدر هذه الأموال؟ هناك مسؤولية تتحملها وزارات ومسؤولون في الدولة، إلى جانب القوى السياسية التي كان لها الحيز الأبرز في إدارة هذه الملفات. ومن هنا، يجب أن تُسوّى هذه المسألة في وقت قريب، وأن يحصل المودعون على حقوقهم.

تالياً، يجب ملاحقة أصحاب المولدات، كما كان يقوم به وزير الاقتصاد السابق الأستاذ رائد خوري في هذا الإطار، لأن هؤلاء يعبثون بجيوب الناس وأرزاقهم، ويجب وضع حد لتجاوزاتهم، خصوصاً أن هناك زيادات تطال المستهلكين وتثقل كاهلهم. ومن الضروري حسم هذا الأمر اليوم قبل الغد، عبر الرقابة والمحاسبة وتطبيق القوانين.

ولا بد من الإشارة أيضاً إلى ما قام به نقيب مزارعي التفاح في لبنان الأستاذ غابي سمعان، الذي كانت له اليد الطولى في متابعة قضية التفاح، فوقف إلى جانب المزارعين في ترشيش وسائر المناطق اللبنانية، وقام بخطوات عبر مؤسساته وعلى المستوى الشخصي لتصدير التفاح، سواء إلى قطر أو إلى أسواق أخرى، في وقت لم يتجاوب معه أحد.

إن ما قام به الأستاذ غابي سمعان هو عمل إنساني ووطني شريف ونبيل، ويستحق التقدير، لأنه وقف إلى جانب المزارعين وسعى إلى فتح أسواق جديدة أمام إنتاجهم، في مرحلة يحتاج فيها القطاع الزراعي إلى كل أشكال الدعم والمساندة.

خاتمة

يبقى لبنان أمام استحقاقين متلازمين: حماية الاستقرار ومنع الانزلاق إلى مواجهة عسكرية جديدة، وإعادة بناء الدولة والاقتصاد على أسس سليمة. وبين الدبلوماسية والإصلاح، تبقى الثقة الداخلية، والعربية، والدولية، المدخل الأساسي لإنقاذ البلاد واستعادة دورها.