مقالات رأي
موريس الجميّل… المفكّر الذي سبق عصره، والدولة التي لم تُصغِ إلى أفكاره

بقلم: فرانسوا الجردي
ليس عظمة الرجال بما تولّوه من مناصب، بل بما تركوه من أفكار، وبما استشرفوه من مستقبل قبل أن يكون عصرهم مستعدًّا لاستيعابه. ومن هذه القلّة الاستثنائية في تاريخ لبنان، يبرز اسم موريس الجميّل، المفكّر ورجل الدولة ورائد التخطيط الإنمائي، الذي قدّم مشاريع ورؤى تجاوزت حدود زمانه، ورسم من خلالها صورة لبنان الدولة الحديثة، القائمة على التخطيط والعلم والإنماء والاستثمار في الإنسان.
إنّ استعادة تجربته اليوم ليست مجرّد استذكار لشخصية من الماضي، بل مواجهة مع سؤال مؤلم: كيف استطاع رجل، منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي، أن يستشرف حاجات الدولة الحديثة، فيما لا يزال لبنان يتخبّط في أزمات حاول هو أن يجد لها حلولًا؟
دولة تُخطّط ولا تُرتجَل
أدرك موريس الجميّل أنّ بناء الدولة لا يتحقّق بالشعارات والمبادرات المتفرّقة، بل برؤية شاملة تربط الاقتصاد بالإدارة، والمياه بالزراعة، والتعليم بالتنمية، والبنية التحتية بمصلحة الوطن.
من مشروع التصميم الشامل للمياه اللبنانية عام 1951، وتصميم مياه بيروت عام 1952، إلى وزارة التصميم العام عام 1954، جسّد الجميّل إيمانًا راسخًا بأنّ الدولة الناجحة هي التي تحدّد أولوياتها، وتحسن استخدام مواردها، وتخطّط لمستقبلها بدل أن تبقى أسيرة الأزمات.
لقد كان يرى أنّ التخطيط ليس ترفًا إداريًا، بل شرط أساسي لبناء اقتصاد متماسك ودولة قادرة على الاستمرار.
أفكار سبقت زمنها
تكشف مشاريعه في النقل والطرقات عن عقلية إنمائية تجاوزت الحلول التقليدية؛ من الأرصفة المتحركة لمعالجة السير عام 1954، إلى نفق بيروت–البقاع عام 1957، ومشروع مترو لبناني، وأوتوستراد القمم اللبنانية، ومطارات في المناطق.
لم يكن الجميّل ينظر إلى الطريق باعتبارها مجرّد منشأة، بل وسيلة لربط المناطق وتحريك الاقتصاد وتوسيع فرص العمل. كما اعترض على مشاريع رأى أنّها لا تراعي المصلحة الاقتصادية الوطنية أو تضرّ بالتوازن العمراني والبيئي.
قد تحتاج بعض هذه التصوّرات اليوم إلى مراجعة تقنية واقتصادية، لكنّ أهميتها تكمن في أنّها عبّرت عن تفكير استراتيجي يرى البنية التحتية جزءًا من مشروع وطني متكامل، لا مجرد ورشة أشغال عامة.
اللامركزية والإنماء المتوازن
من الأفكار اللافتة في مشروعه الوطني اللامركزية الإنمائية، وتوزيع وزارات الدولة على المحافظات، وإنشاء المجالس الشعبية والبرلمانات الإقليمية، بهدف توسيع المشاركة الديمقراطية وتقريب الدولة من المواطنين.
لقد أدرك أنّ تركّز الخدمات والاستثمارات في العاصمة يضعف المناطق ويدفع أبناءها إلى الهجرة، فيما يؤدي الإنماء المتوازن إلى تعزيز الانتماء الوطني وتكافؤ الفرص.
واللامركزية التي تستحقّ أن تُستعاد اليوم ليست تفكيكًا للدولة أو تكريسًا للانقسامات الطائفية، بل وسيلة لتقوية المؤسسات العامة، وتمكين المناطق، وتحقيق التنمية ضمن وحدة الدولة وسيادتها.
الإنسان هو الثروة الحقيقية
لعلّ أبرز ما يميّز فكر موريس الجميّل اهتمامه بالإنسان والمعرفة. فقد طرح مشاريع لدعم المفكرين، وتأمين التمويل لهم، وتطوير التعليم والتدريب، وإنشاء معاهد متخصصة، وربط المعرفة بحاجات الاقتصاد.
وتكشف أفكاره عن إدراك مبكر أنّ الثروة الحقيقية للبنان ليست موارده الطبيعية وحدها، بل كفاءاته البشرية وعقول أبنائه.
وفي بلدٍ يعاني اليوم هجرة الأطباء والمهندسين والمتخصصين والشباب، تبدو هذه الرؤية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالتعليم الذي لا يفتح أبواب العمل والإنتاج، والدولة التي تعجز عن الاحتفاظ بكفاءاتها، يخسران معًا جزءًا أساسيًا من المستقبل.
لقد فهم الجميّل أنّ خسارة العقول ليست خسارة أفراد فحسب، بل خسارة لقدرة الوطن على النهوض.
تحديث الإدارة واقتصاد منتج
لم يفصل الجميّل الإنماء عن الإصلاح الإداري والمالي. فقد دعا إلى تحديث الدولة باستخدام الآلات الإلكترونية عام 1967، وطرح أفكارًا لتنظيم القضاء، وتعزيز المحاسبة الوطنية، والانتقال من الموازنة التقليدية إلى الموازنة العصرية.
كما اهتمّ بالزراعة والصناعة والسياحة والنقل، وطرح مشاريع اقتصادية تستفيد من موارد لبنان وطاقات أبنائه والمغتربين.
وتلتقي هذه الرؤية مع حاجات لبنان الراهنة: إدارة أكثر كفاءة وشفافية، واقتصاد يقوم على الإنتاج لا الاستهلاك وحده، وسياسات تحوّل المعرفة والموارد والاستثمارات إلى فرص عمل ونمو مستدام.
فالدولة الحديثة لا تُقاس بحجم إداراتها، بل بقدرتها على خدمة مواطنيها، وحماية المال العام، وتحقيق نتائج ملموسة.
بين إرث الماضي ومسؤولية الحاضر
ليس المطلوب أن نعتبر جميع مشاريع موريس الجميّل صالحة للتطبيق بصيغتها الأصلية، ولا أن ننسب إليه حلولًا لكل أزمات لبنان. فالإنصاف يقتضي دراسة أفكاره في سياقها التاريخي، والتحقق من تفاصيلها، وتقييم ما يمكن تطويره منها وفق المعايير المعاصرة.
لكنّ قيمة المفكر لا تُقاس فقط بمدى نجاح كل اقتراح، بل بقدرته على طرح الأسئلة الصحيحة، وتحدّي الواقع، وفتح آفاق جديدة أمام الدولة والمجتمع.
إنّ المأساة اللبنانية لا تكمن في غياب الأفكار وحده، بل في العجز عن تحويلها إلى سياسات مستدامة ومؤسسات فاعلة، وفي تغليب المصالح الضيّقة على المصلحة الوطنية.
ومن هنا، فإنّ استعادة موريس الجميّل تفرض إعادة قراءة مشاريعه، ونشر دراساته، واستخلاص ما لا يزال صالحًا منها لبناء دولة تخطّط وتنتج وتحاسب، وتمنح جميع أبنائها فرصًا متكافئة.
الخاتمة: لماذا لا يزال لبنان يبحث عن الدولة التي حلم بها؟
لم يكن موريس الجميّل مجرّد سياسي ارتبط اسمه بوزارة التصميم، بل كان صاحب رؤية أرادت أن تجعل التخطيط أساس الحكم، والإنسان محور التنمية، والمعرفة رافعة للاقتصاد، واللامركزية وسيلة لتعزيز وحدة الدولة.
قد تختلف الظروف وتتبدّل الوسائل، لكنّ جوهر أفكاره لا يزال حاضرًا في أسئلة لبنان الكبرى: كيف نبني إدارة حديثة؟ كيف نحقق الإنماء المتوازن؟ كيف نحمي كفاءاتنا من الهجرة؟ وكيف نحوّل مواردنا إلى اقتصاد منتج ودولة عادلة؟
إنّ أعظم وفاء لموريس الجميّل ليس الاكتفاء بالقول إنّه سبق عصره، بل أن نسأل أنفسنا لماذا لا يزال لبنان، بعد كل هذه العقود، يبحث عن الدولة التي حلم هو ببنائها.
فالأوطان لا تتقدّم بكثرة العظماء الذين أنجبتهم، بل بقدرتها على الإصغاء إلى أفكارهم، وتحويل المعرفة إلى عمل، والرؤية إلى مؤسسات، والطموح إلى إنجاز.
رحل موريس الجميّل، لكنّ السؤال الذي تركه للبنان لا يزال مفتوحًا: متى تصبح الدولة مشروعًا وطنيًا متكاملًا، لا مجرّد إدارة لأزمات متلاحقة؟
تنويه من إدارة بيروت تايمز
الآراء الواردة في المقالات المنشورة على موقع "بيروت تايمز" الإخباري تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تمثّل بالضرورة رأي أو موقف الموقع أو إدارته.


















