مقالات رأي
ماكينة النفوذ المؤيدة لإسرائيل في العاصمة الأميركية

بقلم: سعيد بتروني
وجد اللوبي المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة نفسه، على نحو متزايد، في قلب الجدل السياسي. فتدخّله الشرس في الانتخابات التشريعية، مقروناً بتنامي الرفض الشعبي للحرب الإسرائيلية على غزة، لا سيما بين الأميركيين الأصغر سناً، جعل نفوذه واحداً من أكثر الأسئلة السياسية إثارة للجدل في واشنطن.
غير أن من ينظر إلى هذا اللوبي بوصفه قوة واحدة متجانسة يغفل عمق اللعبة الدائرة وتعقيدها.
فالواقع لعبةٌ سياسية أشدّ تشابكاً بكثير: منظمات متنافسة، وممولون أثرياء، وتيارات أيديولوجية تتحرك عبر الحزبين الديمقراطي والجمهوري سعياً إلى أهداف متباينة. موازناتها تُقدَّر بعشرات الملايين من الدولارات، وبمئات الملايين إذا جُمعت. وقد تبلغ خلافاتها السياسية حدّ العمق. ومع ذلك، تلتقي أنشطتها في أغلب الأحيان عند هدف راسخ واحد: الحفاظ على الالتزام الاستراتيجي الأميركي تجاه إسرائيل.
في الواجهة: «إيباك»
في المقدمة تقف لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (AIPAC)، التي تعمل ماكينتها الانتخابية عبر لجنة العمل السياسي التابعة لها، وعبر اللجنة الفائقة «مشروع الديمقراطية المتحدة» (UDP).
وقد أظهرت الانتخابات التمهيدية النيابية لعام 2024 مدى دقة هذه الاستراتيجية الانتخابية.
أنفقت «UDP» نحو 14.6 مليون دولار لمواجهة النائب الديمقراطي جمال بومان في نيويورك، ونحو 8.6 ملايين دولار لمواجهة كوري بوش في ميسوري. وكان النائبان التقدميان قد انتقدا بشدة الحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة.
وأفضت هزيمتهما إلى فتح الطريق أمام جورج لاتيمر وويسلي بيل، وهما ديمقراطيان أقرب في مواقفهما إلى أولويات «إيباك».
لم تكمن الدلالة في خسارة نائبين حاليين لمقعديهما فحسب، بل في أن الإنفاق الخارجي الضخم أسهم في إعادة تشكيل الخيارات المتاحة أمام الناخبين الديمقراطيين قبل الوصول إلى الانتخابات العامة.
على الجبهة الديمقراطية والجمهورية
وعلى الجبهة الديمقراطية، يبرز لاعب آخر هو «الأغلبية الديمقراطية من أجل إسرائيل» (DMFI) بقيادة براين رومك، الذي يعمل على الدفاع عن العلاقة الأميركية–الإسرائيلية داخل حزب يزداد انقساماً حيال السياسات الإسرائيلية. وتسعى أنشطته الانتخابية إلى تعزيز المرشحين الداعمين للتحالف، في مقابل مواجهة البدائل التقدمية.
أما في الضفة الجمهورية، فيتولى «الائتلاف اليهودي الجمهوري» (RJC) بقيادة مات بروكس تعبئة كبار المانحين، ويوجّه موارد سياسية كبيرة نحو المرشحين الجمهوريين، ومنهم حلفاء دونالد ترامب.
صفٌّ ثانٍ من اللاعبين: الممولون
لكن خلف هذه المنظمات يقف صفٌّ آخر من اللاعبين الاحتياطيين: أثرياء تتجاوز مصالحهم حدود الانتخابات النيابية الفردية.
فلنأخذ يان كوم، المؤسس المشارك لـ«واتساب» وأحد كبار المانحين للقضايا السياسية المؤيدة لإسرائيل. شمل دعمه المالي جهوداً انتخابية متوافقة مع «إيباك»، وأنشطة الدفاع السياسي اليهودي الجمهوري، كما تدعم أعماله الخيرية مؤسسات يهودية اجتماعية وتعليمية. وبالنسبة إلى كوم، يشكّل التأثير الانتخابي جزءاً من التزام أيديولوجي بالهوية اليهودية وإسرائيل ومكافحة معاداة السامية.
ثم تأتي ميريام أدلسون، وريثة إمبراطورية «لاس فيغاس ساندز» للقمار، التي استثمرت بكثافة في الحظوظ السياسية لدونالد ترامب. واستراتيجيتها جمهورية الطابع بوضوح، وترتبط ارتباطاً وثيقاً برؤية حازمة للسيادة الإسرائيلية. فاعتراف ترامب بالقدس عاصمةً لإسرائيل، ونقل السفارة الأميركية إليها، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، كلها نتائج سياسية تمثّل تماماً ما كانت أدلسون تدفع في اتجاهه.
أما بول سينغر، مؤسس «إليوت إنفستمنت مانجمنت»، فيحتل موقعاً مؤثراً آخر ضمن شبكات المانحين الجمهوريين. فقد دعم العمل السياسي المؤيد لإسرائيل، مع احتفاظه بصلات واسعة في الأوساط المالية والشركاتية الأميركية. ويُظهر نفوذه كيف يمكن أن يتعايش الدعم السياسي لإسرائيل مع مصالح اقتصادية واستثمارية أوسع. ومع ذلك، يبقى من المضلِّل الإيحاء بأن كل علاقة تجارية تشكّل عملية ضغط منسّقة.
وعلى الجانب الديمقراطي، دعمت شخصيات مانحة مثل ستايسي شوسترمان منظمات سياسية مؤيدة لإسرائيل ومبادرات مجتمعية يهودية. وهنا تركّز الحجة السياسية بدرجة أكبر على القيم الديمقراطية المشتركة، والهوية اليهودية، والأهمية التاريخية لإسرائيل بوصفها وطناً للشعب اليهودي. ويسعى هذا المقاربة الأيديولوجية إلى الحفاظ على التأييد الديمقراطي لإسرائيل في وقت تتزايد فيه تساؤلات القاعدتين الأصغر سناً والتقدمية داخل الحزب حول سياسات الحكومة الإسرائيلية.
على الطرف الآخر من الطيف
وعلى النقيض أيديولوجياً، يقف جورج سوروس، الذي دعمت شبكاته الخيرية منظمات ليبرالية، من بينها «جي ستريت» (J Street). وخلافاً لـ«إيباك»، تدعو «جي ستريت» إلى مقاربة دبلوماسية تتضمن إقامة دولة فلسطينية وتسوية تفاوضية للصراع الإسرائيلي–الفلسطيني.
والتباين هنا كاشف. فالنتيجة السياسية التي تفضّلها أدلسون تختلف اختلافاً جوهرياً عن تلك التي تفضّلها «جي ستريت». ومع ذلك، يعمل الطرفان داخل بيئة سياسية أميركية يظل فيها استمرار شكل من أشكال الانخراط الأميركي مع إسرائيل افتراضاً مركزياً.
وهنا تكمن المفارقة اللافتة في لعبة واشنطن المؤيدة لإسرائيل: لا يحتاج اللاعبون إلى الاتفاق على مستقبل إسرائيل كي يسهموا في ديمومة علاقة أميركا بها.
ليست سيطرة… بل آلية أدقّ
هذا لا يعني أن المنظمات المؤيدة لإسرائيل تتحكم بالسياسة الخارجية الأميركية. فمثل هذا التفسير تبسيطي، ويتجاهل الحسابات المستقلة للإدارات المتعاقبة والكونغرس والبنتاغون والمصالح الاستراتيجية الأميركية.
فالآلية أكثر دقة بكثير، وتقوم على ثلاث ركائز:
أولاً: تشكيل الخيارات السياسية قبل أن يمارس الناخبون اختيارهم. فمن خلال تمويل المرشحين المفضّلين ومواجهة المنتقدين في الانتخابات التمهيدية، تستطيع المنظمات السياسية التأثير في تركيبة الكونغرس قبل أن يصل الناخبون إلى الانتخابات العامة.
ثانياً: إدارة المخاطر السياسية عبر التنويع. فقد تختلف الإدارات الجمهورية والديمقراطية حول المستوطنات والدولة الفلسطينية والعمليات العسكرية، لكن الحزبين حافظا تاريخياً على دعم كبير للشراكة الأمنية الثنائية.
ثالثاً، وهي الأبلغ أثراً: تحويل الالتزامات السياسية إلى تبعيات مؤسسية. وأوضح مثال على ذلك مذكرة التفاهم الأميركية–الإسرائيلية لعام 2016، التي أرست إطاراً لمساعدات عسكرية أميركية بقيمة 38 مليار دولار على مدى عشر سنوات، أي نحو 3.8 مليارات دولار سنوياً، تشمل تمويل منظومات الدفاع الصاروخي.
ما وراء المال
بيد أن أهمية الأمر تتجاوز تحويل الأموال. فالمساعدات العسكرية الأميركية تدعم مشتريات إسرائيل من المعدات الدفاعية الأميركية، وتربط العلاقة بشركات الصناعات الدفاعية ومصانع التصنيع وسلاسل الإمداد والدوائر الانتخابية في الكونغرس. وتشارك شركات مثل «لوكهيد مارتن» و«بوينغ» في هذه العلاقة الدفاعية عبر الطائرات والأسلحة والبرامج العسكرية المرتبطة بها.
وبالتالي، فإن ما يبدأ التزاماً دبلوماسياً واستراتيجياً قد يُنتج مع الوقت قواعد بيروقراطية وصناعية واقتصادية خاصة به. وتصبح العلاقة أصعب على التراجع عنها، لأن تبعاتها تمتد من السياسة الخارجية إلى المصالح السياسية والاقتصادية الداخلية.
المفارقة المركزية
هنا تكمن المفارقة المحورية: فالتنافس بين المنظمات المؤيدة لإسرائيل قد يكشف خلافات عميقة حول السيادة الإسرائيلية والحقوق الفلسطينية وإدارة الحرب، لكنه في الوقت نفسه يحافظ على قنوات نفوذ متعددة داخل المؤسسة السياسية الأميركية.
والنتيجة ليست «يداً خفية» تتحكم بواشنطن، بل بنية سياسية يعزّز فيها التمويل الانتخابي والمصالح الاستراتيجية والاعتمادات في الكونغرس والمشتريات الدفاعية بعضها بعضاً.
وأذكى حركة على رقعة الشطرنج في واشنطن ليست بالضرورة التحكم بالقرار المقبل، بل تشكيل الظروف السياسية والمؤسسية التي تصنع القرارات المقبلة. وحين تترسخ هذه الظروف بما فيه الكفاية، يصبح الحفاظ على التحالف القائم أقل كلفة سياسياً من محاولة تفكيكه.
وهكذا يتحول انتصار الأمس السياسي إلى التزام مؤسسي في الغد.
تنويه من إدارة بيروت تايمز
الآراء الواردة في المقالات المنشورة على موقع "بيروت تايمز" الإخباري تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تمثّل بالضرورة رأي أو موقف الموقع أو إدارته.

















