تخطي إلى المحتوى الرئيسي
من تل البرلمان إلى قلب الاغتراب… بيرإضافة مقالةوت وأوتاوا تحتفيان بشهر التراث اللبناني، ووزير الخارجية يدعو إلى بناء دولة تستحق ثقة أبنائها ومواهبهم وأحلامهم

أوتاوا – بيروت تايمز – منى حسن
في مشهد وطني استثنائي تختلط فيه مشاعر الاعتزاز بالهوية وحنين الاغتراب إلى الوطن الأم، ارتفع العلم اللبناني فوق تل البرلمان الكندي (Parliament Hill) في العاصمة أوتاوا، إلى جانب العلم الكندي وورقة القيقب، احتفاءً بشهر التراث اللبناني الذي تحييه كندا طوال شهر تشرين الثاني من كل عام، في مناسبة حملت أبعاداً سياسية وثقافية وإنسانية تجاوزت حدود المراسم الرسمية، لتؤكد أن لبنان، رغم أزماته وتحدياته، لا يزال حاضراً في وجدان أبنائه المنتشرين، وأن الجالية اللبنانية باتت شريكاً أساسياً في الحياة الكندية ومؤسساتها.
وشارك في مراسم رفع العلم وزير الخارجية والمغتربين اللبناني يوسف رجي، ووزيرة الهجرة واللاجئين والمواطنة الكندية لينا متلج دياب، اللبنانية الأصل، والسفير اللبناني في كندا بشير طوق، وسفير كندا لدى لبنان غريغوري غاليغان، والنائبان الكنديان من أصل لبناني فيصل الخوري وزياد أبو لطيف، إلى جانب شخصيات سياسية ودبلوماسية واقتصادية واجتماعية، وحشد من أبناء الجالية اللبنانية.

ولم تكن المناسبة مجرد احتفال برفع علم دولة تربطها بكندا علاقات صداقة تاريخية، بل شكلت محطة لتجديد التأكيد على عمق الروابط بين البلدين، والاعتراف بإسهامات اللبنانيين الذين حملوا ثقافتهم وتراثهم وقيمهم إلى كندا، ونجحوا في بناء حضور فاعل في مختلف القطاعات، من الاقتصاد والأعمال إلى الطب والتعليم والإعلام والفنون والسياسة.
وفي قلب هذا المشهد، جاءت رسالة يوسف رجي واضحة: «لم نفقد الأمل بلبنان»، في موقف اختصر إصرار الدولة اللبنانية على استعادة عافيتها وبناء مؤسساتها وتعزيز سيادتها، كما حمل رسالة مباشرة إلى المغتربين بأن لبنان الذي يستحق دعمهم هو نفسه لبنان الذي ينبغي أن يستعيد ثقتهم به.

يوسف رجي: الدولة اللبنانية أمام مسؤولية استعادة الثقة والسيادة
وفي كلمته خلال الاحتفال، توجه الوزير يوسف رجي بالشكر إلى وزيرة الهجرة واللاجئين والمواطنة الكندية لينا ميتليغ دياب، وعضو مجلس الشيوخ السابقة جين كوردي، وجميع الذين ساهموا في إقرار شهر تشرين الثاني شهراً للتراث اللبناني في كندا عام 2023.
وأكد رجي أن رفع العلم اللبناني إلى جانب العلم الكندي وورقة القيقب يحمل رمزية خاصة، ويجسد صداقة تتجاوز العلاقات الدبلوماسية التقليدية، لتستند إلى روابط إنسانية وثقافية نسجتها أجيال من اللبنانيين الذين اختاروا كندا وطناً ثانياً لهم، من دون أن يتخلوا عن انتمائهم إلى لبنان.
وتوقف الوزير عند المحطات الصعبة التي مر بها لبنان خلال العقود الماضية، مشيراً إلى أن البلاد دفعت أثماناً باهظة نتيجة تداخل أزماتها الداخلية مع الصراعات الإقليمية والتدخلات الخارجية، وما تركته هذه المرحلة من تداعيات على مؤسسات الدولة واستقرارها وسيادتها.
وشدد على أن المرحلة الراهنة تتطلب عملاً جدياً لاستعادة سلطة الدولة وتعزيز مؤسساتها، وترسيخ حقها الحصري في اتخاذ القرارات المتعلقة بالحرب والسلم، بما يضمن حماية لبنان ومصالح شعبه، ويعيد الاعتبار إلى مفهوم الدولة القادرة على حماية مواطنيها وإدارة شؤونها.
وفي عبارة اختصرت الكثير من التحديات والآمال، قال رجي: «لم نفقد الأمل بلبنان»، مشدداً على أن إعادة بناء دولة أُضعفت على مدى عقود ليست مهمة سهلة، ولا يمكن إنجازها بين ليلة وضحاها، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية وعزيمة وطنية وإيمان بإمكان استعادة لبنان لدوره ومكانته.
كما أعرب عن تقديره للموقف الكندي الداعم للبنان، ولا سيما مساندة المؤسسات الوطنية، وفي مقدمها الجيش اللبناني وقوى الأمن، معتبراً أن دعم المؤسسات الشرعية يشكل ركيزة أساسية لتعزيز الاستقرار ومساعدة لبنان على تجاوز أزماته.
رسالة رجي إلى المغتربين: نريد دولة تستحق ثقتكم وأحلامكم
ولم تغب الجالية اللبنانية عن المحور الأساسي لكلمة وزير الخارجية، إذ خصّ اللبنانيين في كندا برسالة تقدير لدورهم ومواقفهم تجاه وطنهم الأم، ولما قدموه من دعم ومساندة للبنان في مختلف الظروف الصعبة.
لكن رجي أراد أن يذهب أبعد من توجيه الشكر، واضعاً العلاقة بين الدولة والاغتراب أمام عنوان أساسي يتمثل في استعادة ثقة اللبنانيين المنتشرين بوطنهم.
وأكد أن لبنان لا يريد أن يبقى معتمداً على سخاء أبنائه في الخارج لتعويض إخفاقات الدولة، بل يريد أن يبني مؤسسات تستحق ثقتهم ومواهبهم وأحلامهم، وتوفر لهم الأسباب التي تشجعهم على الاستثمار والمشاركة والمساهمة في النهوض بالبلاد.
وتوجه إلى الأجيال الشابة من اللبنانيين الكنديين برسالة وطنية واضحة، مفادها أن لبنان وطنهم أيضاً، وأن ارتباطهم به لا ينبغي أن يقتصر على الذاكرة العائلية أو المناسبات الوطنية، بل يجب أن يتحول إلى علاقة حية تقوم على المشاركة والتواصل ونقل الخبرات والطاقات.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة في ظل الدور المتنامي للاغتراب اللبناني، الذي لم يعد مجرد رافد مالي واقتصادي للبنان، بل أصبح قوة بشرية وعلمية وثقافية وسياسية تمتلك خبرات واسعة وشبكات علاقات دولية يمكن أن تشكل رصيداً مهماً في أي مشروع جدي لإعادة بناء الدولة.
من جهتها، رحبت وزيرة الهجرة واللاجئين والمواطنة الكندية لينا ميتليغ دياب بوزير الخارجية يوسف رجي والوفد اللبناني، مؤكدة أهمية شهر التراث اللبناني وما يحمله من معانٍ ثقافية ووطنية، ومن فرصة لتجديد الاحتفاء بالعلاقات التاريخية التي تجمع الشعبين اللبناني والكندي.
وأشادت دياب بالإسهامات التي قدمتها أجيال من اللبنانيين في بناء المجتمع الكندي وتطويره، مشيرة إلى أن الجالية اللبنانية استطاعت أن تحافظ على ثقافتها وتقاليدها ولغتها، وأن تنجح في الوقت نفسه في الاندماج في المجتمع الكندي والمشاركة في مختلف قطاعاته.
ويعكس اختيار شهر تشرين الثاني لهذه المناسبة أهمية رمزية خاصة، فهو الشهر الذي يحتفل فيه لبنان بعيد استقلاله في 22 تشرين الثاني، ما يجعل الاحتفاء بالتراث اللبناني في كندا مرتبطاً بذاكرة الوطن وتاريخه وهويته الوطنية.
وكانت دياب قد أعلنت عبر حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي عن مشاركتها في مراسم رفع العلم اللبناني، مشيرة إلى تواصلها مع النائبين فيصل الخوري وزياد أبو لطيف للتباحث في أهمية هذه المناسبة والأنشطة التي ترافقها.
كما أكدت أن شهر التراث اللبناني، الذي يبدأ في الأول من تشرين الثاني ويمتد طوال الشهر، يشكل مناسبة مفتوحة أمام جميع الكنديين للتعرف إلى الثقافة اللبنانية الغنية وتقاليدها وإرثها الحضاري، والاطلاع على مساهمات اللبنانيين في مختلف أنحاء البلاد.
واللافت أن دياب ليست مجرد مسؤولة كندية تحتفي بتراث إحدى الجاليات، بل تحمل أيضاً جذوراً لبنانية، وكانت من أبرز الداعمين للمسار التشريعي الذي أفضى إلى الاعتراف الرسمي بشهر التراث اللبناني، في خطوة تعكس التقاء الانتماء الشخصي بالمسؤولية العامة.
بشير طوق: الاغتراب جسر أساسي لتعزيز العلاقات بين البلدين
وشارك السفير اللبناني في كندا بشير طوق في المناسبة، وألقى كلمة تناول فيها أهمية شهر التراث اللبناني وما يمثله من محطة لتكريم أبناء الجالية والاعتراف بإسهاماتهم في المجتمع الكندي.
وشددت المناسبة على الدور الذي تضطلع به البعثة الدبلوماسية اللبنانية في رعاية شؤون اللبنانيين في كندا، وتعزيز حضور لبنان في المؤسسات والمحافل الكندية، وتطوير العلاقات الثنائية على المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية.
وتبرز أهمية هذا الدور في ظل وجود جالية لبنانية واسعة الانتشار، استطاعت على مدى أجيال أن تبني مؤسساتها وشبكاتها الاجتماعية والاقتصادية، وأن تحافظ على صلاتها بلبنان، وأن تساهم في الوقت نفسه في تعزيز العلاقات بين البلدين.
كما شكل حضور سفير كندا لدى لبنان غريغوري غاليغان بعداً دبلوماسياً إضافياً للمناسبة، بما يعكس الاهتمام المتبادل بتطوير العلاقات اللبنانية الكندية وتعزيز التعاون بين بيروت وأوتاوا.
وكان للحضور السياسي اللبناني الأصل في البرلمان الكندي مكانة بارزة في الاحتفال، من خلال مشاركة النائبين فيصل الخوري وزياد أبو لطيف، اللذين يشكلان نموذجاً عن الحضور اللبناني في الحياة التشريعية والسياسية الكندية.
فوجود شخصيات من أصول لبنانية في مجلس العموم الكندي يعكس التحول الذي شهدته الجالية خلال العقود الماضية، من مجتمع مهاجر يسعى إلى الاستقرار وبناء مستقبل لأبنائه، إلى مكوّن فاعل يشارك في الحياة العامة وصناعة القرار.
وقد امتد نجاح اللبنانيين في كندا إلى قطاعات متعددة، حيث برزوا في عالم الأعمال والاستثمار والطب والهندسة والجامعات والإعلام، فضلاً عن المؤسسات السياسية والإدارية والعمل الاجتماعي.
ويؤكد هذا الحضور أن الاغتراب اللبناني يمتلك طاقات تتجاوز حدود التحويلات المالية، وأن أبناءه قادرون على أداء دور مؤثر في تعزيز العلاقات الدولية، وتقديم صورة إيجابية عن وطنهم الأم.
وفي هذا السياق، يشكل التعاون بين الوزيرة دياب والنائبين الخوري وأبو لطيف نموذجاً للتنسيق بين الشخصيات ذات الجذور اللبنانية داخل المؤسسات الكندية، بما يساهم في إبقاء التراث اللبناني حاضراً في النقاش العام والذاكرة الوطنية الكندية.
ويعود الاعتراف الرسمي بشهر تشرين الثاني شهراً للتراث اللبناني في كندا إلى عام 2023، عندما أقر البرلمان الكندي القانون الخاص بهذه المناسبة، بعد مبادرة تشريعية ساهمت فيها لينا ميتليغ دياب، التي كانت حينها نائبة في البرلمان عن دائرة هاليفاكس ويست.
وبموجب هذا القانون، أصبح تشرين الثاني من كل عام مناسبة وطنية للاحتفاء بالثقافة والتراث اللبنانيين، وتقدير مساهمات الكنديين من أصل لبناني في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية.
ويكتسب الاحتفال هذا العام أهمية إضافية، إذ يمثل شهر التراث اللبناني الرسمي الرابع في كندا، وفق البيان الصادر عن الحكومة الكندية في الأول من تشرين الثاني 2026.
وأشار البيان الحكومي إلى أن أولى موجات المهاجرين اللبنانيين استقرت في مونتريال وهاليفاكس منذ مطلع ثمانينيات القرن التاسع عشر، قبل أن تتوسع التجمعات اللبنانية في مختلف المقاطعات الكندية، وتتحول إلى جزء من النسيج الاجتماعي والثقافي والاقتصادي للبلاد.
كما شدد البيان على أهمية الحفاظ على اللغات والتقاليد والتراث، والاعتراف بما قدمه اللبنانيون من إسهامات في مجالات الفن وريادة الأعمال والعلوم والعمل المجتمعي، داعياً الكنديين إلى اكتشاف تاريخ الجالية اللبنانية وثقافتها طوال شهر تشرين الثاني.
ولا تنحصر أهمية هذه المناسبة في تكريم الجيل الأول من المهاجرين، بل تمتد إلى الأجيال الجديدة التي ولدت ونشأت في كندا، وأصبحت تجمع بين الهوية اللبنانية والانتماء الكندي، بما يضمن استمرار التواصل الثقافي والإنساني بين البلدين.
لبنان وكندا… علاقات تاريخية تتجاوز السياسة والدبلوماسية
تستند العلاقات اللبنانية الكندية إلى تاريخ طويل من التواصل بين الشعبين، وقد ساهمت الهجرة اللبنانية في بناء جسور إنسانية وثقافية واقتصادية بين البلدين، وصولاً إلى حضور لبناني فاعل في مؤسسات الدولة الكندية ومجتمعها.
وتشكل الجالية اللبنانية اليوم إحدى أبرز حلقات التواصل بين بيروت وأوتاوا، ليس فقط من خلال رجال الأعمال والمستثمرين، بل أيضاً عبر الأكاديميين والأطباء والمهندسين والإعلاميين والفنانين والناشطين الاجتماعيين، فضلاً عن الشخصيات التي وصلت إلى مواقع المسؤولية السياسية.
وفي المقابل، تكتسب العلاقات الرسمية بين البلدين أهمية خاصة في ظل التحديات التي يواجهها لبنان، وحاجته إلى دعم الدول الصديقة لمؤسساته الشرعية، وتعزيز استقراره، ومساندة مسار الإصلاح وإعادة بناء الثقة.
ومن هنا، فإن زيارة وزير الخارجية يوسف رجي إلى كندا ومشاركته في مراسم رفع العلم اللبناني تحمل رسالة تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي، لتؤكد أن الدولة اللبنانية معنية بإعادة وصل ما انقطع مع أبنائها في الخارج، والاستفادة من خبراتهم وإمكاناتهم، وإعادة بناء علاقة تقوم على الثقة والشراكة المتبادلة.
العلم اللبناني فوق البرلمان الكندي… رسالة وطن لا تغيب أرزته
واختُتمت المراسم برفع العلم اللبناني بمشاركة وزير الخارجية يوسف رجي والوزيرة لينا ميتليغ دياب، في مشهد جمع الحاضرين حول رمز وطني تختصر ألوانه تاريخ لبنان وهويته وذاكرة أبنائه.
وبين أرزة لبنان وورقة القيقب الكندية، حضرت حكاية آلاف العائلات اللبنانية التي غادرت وطنها بحثاً عن الأمان والاستقرار والفرص، لكنها لم تتخلَّ عن جذورها، بل حملت لبنان معها إلى مدن كندية عديدة، من مونتريال إلى أوتاوا وهاليفاكس وتورونتو، وأسهمت في بناء مجتمعها الجديد.
إنها مناسبة لتكريم اللبنانيين الذين صنعوا نجاحاتهم في بلاد الاغتراب، ورسالة تقدير إلى أجيال حافظت على لغتها وثقافتها وانتمائها، كما أنها تذكير للدولة اللبنانية بأن لديها في الخارج ثروة بشرية وعلمية واقتصادية لا يجوز التفريط بها.
لكن الرسالة الأهم تبقى في ما قاله يوسف رجي من أوتاوا: «لم نفقد الأمل بلبنان».
فالمغترب اللبناني لا يريد وطناً يعيش على ذكريات أبنائه أو يكتفي بالاحتفاء بنجاحاتهم من بعيد، بل يريد دولة تحمي أبناءها، وتحترم طاقاتهم، وتفتح أمامهم أبواب المستقبل.
ومن أوتاوا، حيث ارتفع العلم اللبناني فوق البرلمان الكندي، تجددت صورة لبنان الذي لا تحدّه الجغرافيا، ولا تطفئ أزماته حضوره في العالم؛ لبنان الذي يحمله أبناؤه في قلوبهم، ويصنعون باسمه قصص النجاح أينما حلّوا.
فلبنان ليس فقط وطناً نغادره بحثاً عن الحياة، بل وطن نأمل أن يعود يوماً قادراً على احتضان أحلام أبنائه… في الداخل كما في الاغتراب.