صُنع في الصّين .. عفواً، في مصر !

03/03/2016 - 17:27 PM

 

عبد الكريم عزوز

شتان بين ما صُنع في جمهورية الصين الشعبية و ما صُنع في جمهورية مصر العربية، في الأولى يكفي أن تضع في حوزتهم المنتوج الذي ترغب فيه و ما عليك سوى الإنتظار لدقائق أو لساعات على أكثر تقدير حتى يكون المرغوب فيه بين يديك لاستعماله أو بيعه أو غير ذلك.

أمّا في حالة مصر، فالمنتوج ليس استهلاكيا و لا بلاستيكيا، بل هو منتوج فكري محض.

الفرق شاسع بين المصنوع في بلاد الفراعنة و المصنوع في بلاد التنّين، و مع ذلك لم نسمع قطّ بأحد يوبّخ مصر كما عهدنا ذلك مع المنتج الصّيني بحيث أنّ عبارة "صُنع في الصّين" أضحت منتشرة حتى في الأوساط الإجتماعية العربية، بين الأفراد و بين العائلات في وصفهم لشيئ يفتقد للجودة أو تنقصه تماما.

لهذا السبب شبّهت ما توارثناه من دين و أدب و علم و فكر و فنّ و سياسة بما تصدّره جمهورية الصين الشعبية للعالم من أدوات و سلع استهلاكية تفتقد أحيانا للجودة، لأننا بقينا لعقود من الزّمان محبوسين داخل قوقعة "أمّ الدّنيا" و ما صدّرته لنا من مفاهيم تفتقد للجودة أحيانا و تقلّ فيها أحيانا أخرىى، و إذا ما عدنا بالذاكرة للوراء فسنتنتج أنّ محيطنا استنسخ مفاهيمه طيلة سنوات من مفاهيم مصر و حكّامها دونما أي تشكيك في صحّتها على غرار مفهوم القومية العربية و غيرها من المصطلحات الرنّانة التي لم تنزل لأرض الواقع بتاتا، و مع رحيل إسمين لامعين لهما تأثير كبير على الأحداث، كما لهما دور جسيم في ما آلت إليه الأمور حاليا، فكّرت مليّا في نعيهما على طريقة أحدهما.

الأوّل وهو بطرس بطرس غالي، الأمين العام السابق للأمم المتّحدة و وزير خارجية مصر في عهد السادات، و الثاني وهو محمد حسنين هيكل، عميد الصحافيين العرب و عرّاب كل الحقب حسب تعبير الكثيرين، كلتا الشخصيتان اشتركتا من قبل في صناعة فكر و مفاهيم الأمّة العربية، بالنسبة لهيكل، فوصفه بعرّاب كل الحقب لم ينبثق من فراغ بل هو وصف واقعي بحيث أن المذكور إسمه سلفا كان وفيّا للأنظمة الشمولية حسب تعبيره أو الوفاء للإستبداد على حدّ تعبير منتقديه، امتدح هيكل الملك فاروق و وصفه بالفاروق و بعد الإنقلاب الذي قام به الضبّاط الأحرار أضحى صديقا لهم، ما مكّنه من مصاحبة زعيم العرب آنذاك جمال عبد الناصر، و واكب الرّاحل زعم الزّعيم و من معه قدرتهم على تحقيق النّصر للأمة و كل ما سمعناه من شعارات لم يبقى منها سوى الأحرف، بعد الهزيمة النّكراء و خسارة سيناء و الجولان، خطّ بقلمه خطاب الزّعيم الذي دعا فيه الشعب المصري و الأمة بالتوحد خلف راية القومية، مرّت الأيام و مات الزّعيم المزعوم و لم تمت النّاصرية بفضل هيكل و آخرين، في حقبة السادات واصل حسنين هيكل تأييده للنظام الشّمولي في مصر رغم بعض المشاكل التي تسببت في اعتقاله، إلا أن اعتقال هيكل يعتبره الكثيرين فعل سياسة محكم و الهدف منه كان تمويه الرّأي العام.

بالرجوع لبطرس غالي، نعلم أنّه كان رجل السادات الوفيّ أي هو الآخر رجلا نظاميا بامتياز، بزغ نجمه بعد تعيينه على رأس الوفد المفاوض لإسرائيل بكامب ديفيد، بعد التوقيع على "السلام المرّ" أصبح بطرس غالي من رجالات السادات أي بوصف أدقّ، من رجال أمريكا في المنطقة على غرار غالبية الضّباط الكبار في الجيش المصري.

اجتمع هيكل و بطرس غالي على مبادئ عدة، و يبقى أخطرها هو "الوفاء للإستبداد" و تنكيل حريات الشعوب و عدم الإصغاء لمتطلّباتها، و من هنا تبدأ مسؤوليتنا.

هل هي مسؤوليتنا أم مسؤولية آبائنا ؟

نظرا لتاريخ ميلادي و الذي يوافق أوائل التسعينيات، لا أرى حرجا في توبيخ من سبقونا للعلم و المعرفة و الصحافة، كونهم لم يقدروا على وضع كل مفهوم في خانة تناسبه، بل الأخطر من ذلك أن محيطنا المتكوّن من الوالدين و الإخوة و الجيران و الأساتذة انغمس بكامله في تاريخ "أمّ الدّنيا" فكريا و ثقافيا وفنّيا و سياسيا، ما مهّد لنشأة جيل يعشق مصر بحضارتها و ثقافتها، بتاريخها و حاضرها، دونما الشّروع في تحليل الأمور بعقلانية و إعطاء لكلّ ذي حقّ حقّه.

كبرنا في عزّ موهوم، أساسه أوهام باعها لآبائنا أناس كالرّاحلين بطرس غالي و حسنين هيكل، هذا الأخير الذي اعترف صراحة بانحيازه لإيران الفارسية على حساب العرب، كما اعتبر في حديث تلفزي معه أنّ "حسن نصر الله" هو زعيم العرب الأحقّ بالتأييد و التّمجيد، و كان من بين أكبر الدّاعمين للإنقلاب على الرئيس الشرعي لمصر محمد مرسي من خلال دعمه لحركة "تمرّد" الذي قادت انقلاب الجيش.

يقال أن العبرة في الخواتيم، فعلا هي كذلك، مسيرة طويلة من التمجيد و التأييد، لُخّص صُلبها في دعم هيكل للإنقلاب في مصر و دعمه لإيران و بشّار الأسد على حساب الشّعوب و متطلّباتها، نفس المصير تقريبا خطاه الرّاحل بطرس غالي بدعمه هو الآخر لسياسة عبد الفتّاح السيسي على حساب الإخوان المسلمين و على حساب الشّعب، رغم تحفّضه على القضية السورية إلاّ أن غيابه التام عن تأييد مصير الشعب البوسني في محنته و كذا ضعفه في اتخاذ قرارات جريئة آنذاك في البوسنة و رواندا و الصومال إبّان فترة ولايته على رأس الأمم المتحدة كفيلة بجعله رجلا غير صالح لمصالح الشعوب.

من هذا التحليل، نعود سريعا لمغزى عبارة "صُنع في مصر" و نستنتج أن الجيش هو الحاكم الأبدي، الخادم للجارة إسرائيل، و معه رجالاته المختلفة كبطرس و هيكل و غيرهم ممن ساهموا في نشر قيم فكرية مغلوطة، كما ساهم الفنّانون على مدى عقود من الزّمان في تشتيت ذهن المشاهد العربي بمسرحيات عوجاء و أفلام كاذبة، الهدف الأساسي منها الضحك على ذقوننا و جرّنا لبناء أفكار و ولادة مبادئ نكراء، لا منفعة منها و لا أملا فيها !

كفانا استهتارا بعقول بعضنا البعض، فلا القومية الوهمية ستفيدنا و لا الثورات البلطجية و الحركات التمرّدية، أساس نجاحنا يبدأ بأخلاق حميدة و مبادئ رنّانة، من ثم قد تأتي الشّعارات الرّنّانة و ما يرافقها من خطابات و أحلام.

كفانا استهزاءا بمنتجات جمهورية الصين الشعبية و هلمّا لفضح المفاهيم المغلوطة أيّا كان منبعها، و بما أنّ تاريخ الأمة العربية منبثق بشكل وطيد من من مصر، فما علينا سوى الكفّ عن تأييد مفاهيم مغلوطة خاضعة بشكل مباشر لإملاءات خارجية معروفة و مكشوفة.

نعم، مغالطاتنا الفكرية الخطيرة و الجسيمة، صُنعت في الصين .. عفوا، في مصر !

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment