الاقتصاد النفطي: التحديات والمخاطر

03/02/2016 - 11:57 AM

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

تواجه الاقتصاديات النفطية تحديات كبيرة ليس فقط بسبب انخفاض سعر النفط الى حدود لم يكن يتوقعها أحد، بل بسبب سوء التنوع الانتاجي لمعظم هذه الدول. الوقت مضى دون توظيف جهود كافية للتنوع ليس فقط بسبب سوء التوقعات، بل أيضا بسبب الاهمال والانشغال بأمور أخرى ربما حولت الانتباه باتجاهات خاطئة. التحديات كبيرة بالنسبة للدول النفطية من ناحية مواجهة الحالة الحاضرة وتمويل الميزانيات وتغيير هيكلية الانفاق كما الايرادات. التحديات كبيرة لأن الوقت يمر بسرعة ليس فقط بسبب العوامل الاقتصادية الضاغطة، بل أيضا بسبب الأوضاع السياسية المتوترة في كل المنطقة.

مواجهة دولية بين القوى العسكرية الكبرى

ما يجري في سوريا اليوم، وعلى سبيل المثال، ليس فقط حربا أهلية وانما مواجهة دولية بين القوى العسكرية الكبرى. ما يجري لا يعود فقط لأهمية سوريا الاستراتيجية والانسانية، وانما لأن الأوضاع الدولية تفرض حدوث حروب بعيدة عن مواقع تلك القوى نفسها. نقول وبكل أسف أننا وضعنا أنفسنا في المنطقة العربية في ساحة حرب لنزاعات غير مرتبطة بمصالح الشعوب والحكومات.

لا يمكن وصف النفط فقط كمصدر للايرادات الحكومية الوطنية. تأثير النفط أبعد وأكبر بكثير تبعا لمعظم الدراسات النظرية والتطبيقية. وضع صندوق النقد الدولي دراسات قيمة عن تأثير النفط في الاقتصاد البرازيلي، وتبين أن هنالك علاقات ايجابية مباشرة بين الاكتشافات النفطية والتنمية. تبين أن الاكتشافات النفطية أثرت ايجابا على الدخل القومي الفردي وعلى التطور المدني ليس فقط قرب الموقع وانما حتى عن بعد. تبين أن تأثبر النفط كان كبيرا على القطاعات الأخرى مباشرة ليس فقط بسبب العلاقات بين القطاعات داخل الاقتصاد، وانما أيضا بطريقة غير مباشرة عبر تأثير النفط على كل المعايير الاقتصادية والمالية المعروفة.

أثر النفط على الناتج المحلي الاجمالي لأنه ساهم في رفع الطلب على السلع والخدمات المتوافرة في الاقتصاد، وبالتالي سبب أيضا توافر سلع وخدمات جديدة منتجة داخليا أو مستوردة. وجود النفط ساهم في زيادة الدخل، وبالتالي رفع مستوى المعيشة في المدن والمناطق. تبين أيضا من الدراسات أن الدول التي تتمتع بمؤسسات عامة قوية ومتطورة استفادت من الاكتشافات النفطية أكثر من غيرها بكثير.

المؤشرات الانسانية والاجتماعية

من يدرس أوضاع دول الخليج العربية يتبين له بسهولة أوضاع الاعمار التي حصلت خلال العقود الماضية. استثمرت دول مجلس التعاون الخليجي ليس فقط في البنية التحتية، وانما أيضا في المؤشرات الانسانية والاجتماعية وأصبحت مضرب مثل للتطور السريع والنوعي. استقبلت على مدى عقود ملايين الكفاءات والعمال الذين حولوا بدورهم الأموال التي ساهمت في تطوير دول المنشأ. ما حصل في دول الخليج يختلف حكما بين دولة وأخرى، لكنه عموما يظهر النتائج الايجابية الباهرة التي تحققت في العقود الماضية.

هل كانت النتائج كافية؟ هل هنالك أي مراجعة للسياسات التي أعتمدت؟ أم ما حصل كان أفضل وأقصى ما يمكن أن يحصل في ظروف مماثلة؟ هل استثمرت الدول المعنية الوقت بأفضل ما يمكن وهل أضاعت بعض الفرص الثمينة أم ما حصل كان مثاليا بكل ما في الكلمة من معنى؟ لا بد من المراجعة للتأكد مستقبلا من أن الاقتصادات لا ترتبط كما هو اليوم بالنفط فقط، وبالتالي ربما نقول أن سياسات التنويع لم تكن مثالية وبالتالي تظهر الشقوق والسلبيات اليوم أكثر من أي وقت مضى. هل كان ممكنا عمل الأفضل أو أقله أفضل مما حصل؟ لا بد من مراجعة تجارب ناجحة في مجتمعات متقاربة بكل المعايير لأخذ الدروس والعبر وربما محاولة النسخ ضمن الوقائع والحقائق.

تجربة ماليزيا مهمة جدا للدول العربية بسبب التركيبة المشابهة للمجتمعات. ارتفع الدخل الفردي الماليزي 20 مرة خلال السنوات الأربعين الماضية. تحقق النمو القوي الذي استفاد منه الجميع وليس الأغنياء فقط. انخفضت نسبة الأسر الفقيرة من 50% في الستينات الى 1% اليوم وهذه معجزة اقتصادية بكل ما في الكلمة من معنى. ماليزيا غنية بالموارد الطبيعية بينها النفط، فاستعملتها بذكاء مما سمح لها بتطويرها وجعل الجميع يستفيد منها. بقي التضخم معتدلا على مدى العقود وتأسس قطاع مالي كبير وشفاف وفاعل سمح للاقتصاد الحفقيقي بالتطور والازدهار. أصبحت ماليزيا اليوم في قلب الاقتصاد الاسلامي الذي لم يعرف السقوط حتى في أسواء أيام الركود الكبير الذي بدأ في سنة 2008. بعد الأزمات الأسيوية والدولية، استعاد الاقتصاد أنفاسه بسرعة مدهشة خلافا لمعظم الاقتصادات الأسيوية. يستمر تنفيذ الاصلاحات مع مرور الوقت والعهود والهدف الكبير هو نقل الاقتصاد الماليزي من ناشئ الى متطور قبل سنة 2020 أي دخل فردي يفوق ال 15 ألف دولار سنويا.

دول مجلس التعاون الخليجي

في كتاب جديد، يعرف الكاتبان "اليكس مورموراس" و "نيام شيريدان" عن ماليزيا والاصلاحات التي تحققت عبر عقود من العمل الجاد والكامل بل المتكامل. ما هي أبرز الخطوات التي تحققت والتي يمكن اقتباس أفضلها لدول مجلس التعاون الخليجي؟>

أولا: معالجة بؤس الفقر والفقراء بحيث يكونوا جاهزين للاستفادة من النمو الاقتصادي العام. بما أن الفقراء يعيشون في المناطق الريفية، قامت الدولة بمساعدة المزارعين على تطوير زراعاتهم ورفع انتاجيتها. قدمت الحكومة للمزارعين حق استعمال الأرض وقامت بأعمال الري وقدمت لهم الأدوية الزراعية المناسبة. تطورت البحوث الزراعية للاستفادة الى أقصى الدرجات الممكنة من نوعية التربة والطقس والعوامل الطبيعية والمناخية الأخرى.

ثانيا: ساعدت الحكومة العمال الفائضين في الريف للانتقال الى المناطق الصناعية وبالتالي اسفاد الاقتصاد من كل اليد العاملة في كل المناطق والقطاعات.

حررت الاقتصاد من كثير من قيوده القانونية والاجرائية تعزيزا للمنافسة الضرورية للانتاجية والتنافسية والتطور. استفاد القطاعين المالي والمصرفي من هذه الاصلاحات التي وضعت ماليزيا في قلب المجتمع الدولي المزدهر. تحقق النمو بنسبة 7,4% في سنة 2010، 5,2% في سنة 2011، 5,6% في سنة 2012 و 4,7% في سنة 2013. تشير التقديرات الى وصول النمو الى 5,9% و 4,8% في السنتين التاليتين تبعا لصندوق النقد الدولي.

ثالثا: قامت الحكومات المتعاقبة بتطوير البنية التحتية في كل أقسامها ونجحت خاصة في قطاعي النقل والطاقة. خصخصت قطاع الاتصالات الذي يديره القطاع الخاص عموما بشكل أفضل، فيعطي الأرباح والايرادات للدولة والمواطنين بالاضافة الى الخدمات المميزة. طورت القوانين المرتبطة بالاستثمارات والأسواق المالية والتجارة بحيث أصبحت ماليزيا مركزا للعديد من الشركات الدولية التي استفادت من موقعها وهيكليتها الفانونية والمؤسساتية.

رابعا: لا بد من التنويه بتطبيق اصلاحات في الموازنة عبر ترشيد الانفاق وتطوير أنظمة المحاسبة العامة كما الأنظمة الضرائبية. لذا انخفض عجز الموازنة من 10,5% من الناتج في سنة 1986 الى التوازن في التسعينات فالى عجز حديث مقبول جدا أي في حدود 5% من الناتج في أسواء الظروف الدولية. لم تتخطى نسبة الدين العام من الناتج ال 55% بفضل حسن ادارة الانفاق العام.

لا بد من القول أن السياسات الاقتصادية العادية من مالية ونقدية كانت مرنة أي تغيرت بسرعة لمصلحة الاقتصاد مما يشير الى وجود فساد منخفض أو معتدل سمح للاقتصاد بتحقيق فائض في ميزان الحساب الجاري بلغ 11% من الناتج في سنة 2010 و 11,6% في سنة 2011. يبقى فائضا حتى اليوم وان يكن بنسب سنوية أدنى أي حوالي 5% من الناتج. سمح هذا الفائض المتواصل بتجميع احتياطي نقدي كبير بلغ 135 مليار دولار في سنة 2013 أي تغطية 7 أشهر من الواردات وهذا ممتاز بكل المعايير. الدروس واضحة والتطبيق ممكن.

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment