أسعار النفط والاقتصاد الخليجي

02/26/2016 - 12:11 PM

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

أصبح معروفا أن دول مجلس التعاون الخليجي متأثرة جدا بأسعار النفط ليس فقط لأهميتها في الموازنات، وانما أيضا لأهمية الايرادات النفطية في استمرارية الاستهلاك العام السخي كما المشاريع الاستثمارية الحيوية خاصة في البنية التحتية والتليم والصحة.

ليس هنالك أي مؤشر اليوم من ناحية امكانية ارتفاع السعر بسبب عاملي الطلب الخفيف نسبيا والعرض الكبير المستمر. اذا كان الغرب مسرورا من انخفاض سعر النفط، فهذا ليس حالنا حتى في الدول العربية المستهلكة بسبب ارتباطنا العضوي بالاقتصادات الخليجية عبر العمالة المهمة الموجودة هنالك. تنشيط الاقتصادات الخليجية يساهم كثيرا في تنشيط الاقتصادات الأخرى بفضل التحويلات المالية الكبيرة.

 

تشكل الايرادات النفطية السعودية 90% من المجموع العام، وبالتالي يمكن تخيل التأثير الكبير على الاقتصاد والمجتمع. الحلول ليست نادرة لكنها صعبة التطبيق اذ تتطلب تغييرا في العديد من السياسات والعادات الاستهلاكية والاستثمارية المعروفة. يقول صندوق النقد الدولي أن سعر النفط يجب أن يعود الى 106 دولارا للبرميل حتى توازن المملكة موازنتها. يقول الصندوق أيضا ان استمرار السعر المنخفض سيدفع بدول المنطقة المنتجة للنفط الى خسارة ما يقارب 300 مليار دولار هذه السنة.

عجز الموازنة السعودية المتواصل منذ 2014 والمقدر في سنة 2015 بـ 98 مليار دولار أو 15% من الناتج ليس قليلا خاصة وانه مرجح للاستمرار لسنوات نتيجة الأسعار. تستعمل المملكة قسما من احتياطها النقدي البالغ قبل المستجدات النفطية في سنة 2014 حوالي 732 مليار دولار والذي يمكن أن يصل الى 479 مليار دولار في سنة 2017. في ليبيا مثلا يصل عجز الموازنة الى 55% من الناتج وعجز ميزان الحساب الجاري الى 70% منه وهذا كارثي بكل المعايير.

نما الاقتصاد الخليجي 3% في سنة 2015 مقارنة بمعدل سنوي 4,5% خلال العقد الماضي. يشير صندوق النقد الدولي الى نمو قدره 2,75% هذه السنة، وهذا جيد في الظروف السياسية والاقتصادية الحالية.

الأوضاع تختلف قليلا لكن العوامل الأساسية تبقى نفسها؟

ما هي الحلول الممكنة التي يمكن تطبيقها في المملكة العربية والسعودية والتي تصلح للدول الخمسة الأخرى علما أن الأوضاع تختلف قليلا لكن العوامل الأساسية تبقى نفسها؟

أولا: العمل ضمن الموازنات عبر تخفيض وترشيد الانفاق ورفع الايرادات ربما من الضرائب تجنبا لاستمرار العجز المالي. يجب تجنب تراكم الدين العام تماما كما يحصل في لبنان منذ عقود علما أن الاوضاع والظروف مختلفة كليا. في الانفاق لا شك أن الترشيد ممكن خاصة في الاستهلاك أي في تخفيف دعم السلع والمحروقات. التقشف على الطريقة اليونانية غير ممكن واقعيا بسبب العادات الاجتماعية ودور القطاع العام الكبير في الاقتصاد والاجتماع. لا شك أن الترشيد ممكن وضروري في الانفاق الأمني والعسكري، اذ أن الأرقام المنشورة في حدود 25% من الانفاق العام كبيرة بكل المعايير. من ناحية الايرادات، هنالك طريقتان ممكنتان أولهما الضرائب وقد بحثت الحكومات الخليجية امكانية اعتماد الضريبة على القيمة المضافة قبل سنة 2018 بنسبة 5%.

أما ثانيهما فهي امكانية خصخصة بعض الشركات أو جزء منها وقد تكلم بشأنها ولي ولي العهد السعودي وعن "أرامكو" تحديدا. اذا أحسن التطبيق، من الممكن أن تنهي دول مجلس التعاون عجزها المالي خلال خمس سنوات.

ثانيا: تنويع الاقتصاد وهذا معروف لكنه لم يطبق كما تشتهيه المجتمعات الخليجية. المذنب الأساسي هو سعر النفط المرتفع الذي يحد من الرغبة في التنويع وكأن الأسعار المرتفعة ستستمر لعقود طويلة. اليوم من الممكن الاستفادة من ظروف سعر النفط المنخفض لتمويل الاستثمارات الجديدة في القطاعات غير النفطية بما فيها الزراعة. هنالك امكانية كبرى في تنشيط الخدمات ومنها تحديدا السياحة التي تبقى خجولة نسبة للفرص المتوافرة.

تنشيط السياحة يتطلب مراجعة القواعد المعتمدة بما فيها التأشيرات والبنية التحتية والوسائل الترفيهية المتاحة. هذه الفرصة مهمة ويمكن الاستفادة منها الى حدود كبيرة، ومن الخطاء تجاهلها واعتبارها عابرة حتى لو كانت كذلك. هنالك فرص كبيرة تكمن في اعتماد التكنولوجيا الحديثة في كل النشاطات. الحكومة الالكترونية مستمرة تطويرا في دبي التي من المقدر أن تصبح خلال سنة الحكومة الأكثر فعالية وانتاجية في العالم. الشجاعة والاقدام في استعمال الجديد الفاعل هما في غاية الأهمية.

ثالثا: أهمية الخصخصة ليست لايراداتها، وانما تسمح للقطاع الخاص بالتوسع وتكبير حجمه في الانتاج. هنالك دور ضائع للقطاع الخاص ليس فقط في دول مجلس التعاون وانما في كل الدول العربية. تمويل المشاريع الخاصة من القروض الميسرة هو في غاية الأهمية مع الاهتمام الكبير بالشركات الفردية والصغيرة والمتوسطة. الشركات الفردية هي أساس العديد من الاقتصادات الحديثة وتعتمد على التجدد والابداع، وهذا لا ينقصنا في المجتمعات العربية وانما يجب تحفيذهما ماديا واعلاميا كما عبر تأمين المؤسسات العامة اللازمة لهما. "سيليكون فالي" هي النموذج الكبير الذي يمكن أن نقلده، علما أن هذا يتطلب الكثير من الوقت والجهد والمال والظروف لكن يجب البدء به.

رابعا: لا شك أن ظروف المنطقة الأمنية من اليمن الى لبنان تؤخر عمليات النمو. الاستثمار يخلق النمو، وهذا ما نحتاج اليه. كي تحصل الاستثمارات الخاصة، لا بد من تهدئة المشاكل السياسية التي تبقى الأسواء عالميا. كل مناطق العالم تعالج مشاكلها بطريقة أو أخرى بما فيها الكوريتين، الا أن مشاكلنا هنا تبقى أصعب وأعمق لأن العاطفة تختلط مع المصلحة وبالتالي يتعرقل التقدم.

خامسا: تخفيف المعونات المقدمة الى المواطنين الخليجيين مما يدفعهم الى القيام بالأعمال التي يقوم بها غير الخليجيين عربا أو أجانب. هذا يتطلب الوقت والتدريب، لكن الأهم الرغبة في القيام بالأعمال المختلفة. الكفاءة موجودة حتما، لكن الدافع للانتاج والانتاجية لم يكن موجودا في السابق وأصبح متوافرا اليوم والسبب في ذلك أسعار النفط.

في المدى القريب، تحتاج الحكومات النفطية الى أسعار أعلى للبرميل كي توازن ماليتها. تبعا ل"بلومبرغ"، تحتاج الجزائر الى سعر 96$ للتوازن المالي، العراق الى 81$، الكويت الى 67$، ليبيا الى 269$، قطر الى 55,5$ والامارات الى 73$. تختلف الأرقام بين مصدر وآخر لكنها متقاربة جدا وتشير الى المشكلة نفسها. تكلفة انتاج البرميل تبقى منخفضة في المنطقة وهي في حدود 8,5$ في الكويت، 9,9$ في السعودية، 10,7$ في العراق مقارنة بأسعار مرتفعة في الدول الغربية أي 52,5$ في بريطانيا و 36,2$ في الولايات المتحدة وهذا ما يفسر الى حد بعيد رغبة الدول العربية في ابقاء الأسعار منخفضة كي يخف الاستثمار كما الانتاج النفطي الخارجي وبالتالي يرتفع السعر مستقبلا.

المشاكل الجدية التي تعاني منها شركات الانتاج النفطية

أخيرا يجب أن لا ننسى المشاكل الجدية التي تعاني منها شركات الانتاج النفطية والتي تؤثر ليس فقط على فعالية الأسواق وانما على الاستثمار المستقبلي في القطاع. لا يكفي أن تصرف الشركات بعض العمال وتخفض الانتاج لتخفيف التكلفة، بل من الممكن أن يتعرض بعضها الى مصير أسود أي الافلاس. البعض الآخر سيقوم بالدمج والشراء أو يبيع قسما من أصوله أي يصغر الحجم أو ينتقل الى انتاج مصادر طاقة أخرى بدأ من الشمسية. تكمن المشكلة اليوم في أن الفارق اليومي بين الانتاج والاستهلاك هو 2 مليون برميل وبالتالي الأسواق عائمة في النفط. لذا خف الاستخراج النفطي في أميركا بحدود 50% وهنالك 4 مصارف أميركية كبيرة وضعت جانبا 2,5$ مليار دولار لتغطية القروض النفطية التي يمكن أن لا تسدد.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment