سعد الحريري بين الإصلاح والإقطاع

02/25/2016 - 15:23 PM

 

زينة منصور

يقف سعد الحريري، رئيس حكومة لبنان الاسبق، بين الحزم العربي وحسم الاقطاع الطائفي. حزَمَ أمره وعاد الى لبنان واقعا بين حسم الداخل الاقطاعي وحزم العروبة المعسكرة. مارس الاقطاع حزمه عليه ومارست العروبة بدورها حزمها، فوقع بين نار الرفض او القبول فقبل وعاد. عاد حاسما امره بالمضي قدما بترشيح عضو تكتل 8 اذار، الوزير سليمان فرنجية، سليل الاقطاع الماروني، رغم اعتراض القواعد الشعبية. تختلف النظرة اليوم حول ما اذا كان زعيما وطنيا ام زعيما سنيا لتيار المستقبل. التيار الوحيد الذي نجح في العقدين الأخيرين بعبور حواجز الطوائف، في بلد لا مكان فيه للرؤوس الكبيرة، ولا ارضية تتسع للتيارات العابرة للطوائف مع الاقطاع السياسي العابر على الطوائف. عاد دون مشروع اصلاحي، ولا يمكن ان يصبح السياسيون الحاليون، مهندسو مشاريع عودته، لانهم لن ينتجوا الا افلامهم القديمة المكررة.


يطرح  اللبناني اليوم سلسلة من التساؤلات. هل يحق لمن ورث زعامة وطنية ان يحولها الى زعامة طائفية؟. ماذا يبقى من مستقبل رفيق الحريري اذا ما اختصر بذلك؟. وبماذا حينها يختلف عن غيره من رؤساء الحكومات والسياسيين اللبنانيين اذا ما  تحول ابنه الى زعيم طائفة؟. الم يشهد اللبنانيون تجارب مماثلة تم فيها القضاء على مشروع الاب الشهيد عبر دخول الابن او الاخ في بازار المساومات؟. تعلق اللبنانيون في السنوات العشرة الاخيرة بشخصية سعد الحريري. شاب سيماؤه في وجهه، واعد بجاذبية المستقبل. يتمتع بصفة الصدق والتواضع والرحابة في التعاطي مع الناس على خطى والده بعيدا عن العنهجية والغرور السياسي. ورث عن والده محبة الناس، وبعد 11 عاماً من استشهاده حوّله تحالف الاقطاع الى زعيم سني على حجم طائفته. ورث من شهادة والده ثورة وطنية، فجرها لبنانيون ينتمون بنسبة 60% منهم الى خارج كوادر الاحزاب الطائفية، وبعد 11 عاماً تحولت هذه الثورة الى تقاطع نفوذ الاحزاب الطائفية مع العائلات الاقطاعية والمصالح الاقتصادية.


لم تعد عودته تملك الوهج نفسه التي كانت تحدثه في المرات السابقة رغم محبة الغالبية  لشخصه.  لم يعد المفضل لدى اللبنانيين. فخياراته السياسية المبنية على استراتيجية خفض السقف والعبور الى حزب الله، عبر مبادرة رئيس اللقاء الديموقراطي وليد جنبلاط ورئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري،من خلال تبني ترشيح فرنجية، لم تلقَ ترحيبا لبنانيا ولا حتى في المجتمع السني. إذ تجري محاولات دعمها من قبل تيار المستقبل وبعض افرقاء 14 اذار لانهاء الفراغ الرئاسي، الا ان الاستجابة ضعيفة لان الاخلال بالمبدأ خلخل القاعدة الشعبية والسياسية.

كان الأجدى لو عاد حاملاً مشروعا اصلاحيا يقضي بتجديد الطبقة السياسية بشباب وروح اصلاحية ونوايا وطنية مستقبلية. كان الأجدى أن يكون كابتسامته حاملا للامل لا كالاقطاع قاطعا للأمل. كان عليه ان يكون اصلاحيا رافضا لكل السياسات القديمة والاحزاب الطائفية، لا حليفاً لهم. هكذا جرى وبدهاء تقزيم زعامته على قياس طائفته لتسهيل عملية التوريث في الطوائف الأخرى. يراه الاقطاع السياسي خصما وحليفا في آن. هو خصم يسرق من القواعد لبقية الطوائف بحكم شخصية والده الشهيد التي لامست الوجدان، لما تشكله من نموذج معاكس لصورة السياسي الوارث صاحب الانا المتعالية.هو العائد من بوابة التحالف مع الرعيل القديم، وهي عودة لا تبني بلدا متطورا بذهنية تقليدية فاشلة. عودة بالكاد ان تدير أزمة مع خلوها من  مشروع اصلاحي. تجربة سبق واختبرها الأب الشهيد وقرع كل الابواب، واسترضى القيادات الامنية السورية حينها، وحاور كل الاحزاب والافرقاء، وانتهى شهيداً من ظلم الداخل وغدر الخارج.


لا يمكن تحليل خطابه الاخير بعد عودته الى لبنان، بكل ما فيه من سقف منخفض لا يرقى لتطلعات تياره، ولا يقترب من طموحات مؤيديه في ثورة الارز، إلا من خلال فهم مشاريع لولبي السياسية الرئيس بري والنائب جنبلاط. كما علينا ان ندرك لماذا خاطب سمير جعجع، قائد القوات اللبنانية، الحليف الثابت طوال 11 عاما، يوم 14 شباط، بلسان حال سلميان فرنجية. أما الامين العام لحزب الله حسن نصرالله يحرك الخيوط من بعيد ويُرشد. لذلك، إن المقارنة بين سعد الحريري ورفيق الحريري توصل الى المشاهدات التالية. الاب رفض التحجيم، الإبن استسلم له. الأب حجّم حزب الله، الإبن خضع لتحجيم حزب الله والاقطاع. الأب كان يصغي للمستشارين، الإبن لا يسمع لغيرهم. الأب إحتوى طائفته، الإبن طائفته تحتويه. الأب حاور الاقطاع ولم يذب به، الإبن ذاب فيه.


أوصلت مصالح السياسيين الى كسر احلام الشعب وتكريس انفسهم الممثل الوحيد له وعليه، ويجري ادخال سعد المستقبل في لعبة الماضي. لقد قضوا بمنظومتهم الاقطاعية الحزبية الطائفية الزبائنية على مبادئ ثورة الأرز، ما حدى ببعض السياسيين المخضرمين الى وصف خسارة هذه الثورة بالقول "ما ربحناه في اللوتو صرفناه على القمار". فدخل المجتمع حالة من العتب على الحريري الابن. ليس على الشخص انما على الأداء ومحاولات التقرب ممن عملوا على ضرب الرافعة التي دخل منها الابن الى السياسة، "دماء الأب الشهيد وثورة الأرز".


لذاعلى الرئيس الحريري ان يختار بين ان يكون اصلاحيا او اقطاعياً. عليه ان يطلق ورشة اصلاحية من خلال التعاون مع القوى الحية المدنية والاهلية ويخلق  دينامية متقدمة عبر مد يده للشباب لاطلاق حركية شبابية، مؤلفة من عناصر من التيار المدني، والمستقلين، ووجوه جديدة، يتم وضع برنامج عمل وطني لها، ويتم ضبط أدائها بسلسلة من القوانين العصرية.عليه ان لا يتحالف مع من اسهم بخرق الدستور واضعاف المؤسسات. عليه ان يقف وقفة حازمة تطالب بتطبيق دستور الطائف، بدءا من تأسيس مجلس شيوخ، واعتماد اللامركزية الادارية، وورشة قوانين جديدة، للاحزاب، والاعلام، والانتخابات، والزواج المدني، والجنسية، والضرائب، والاثراء غير المشروع، كي لا يكون لبنان على هاوية او مهب رياح تأسيسية تؤسس المؤسَس فوق رماد اللبنانيين وحطام الجمهورية.


عليه الاصغاء لمطالب محاربة الفساد التي يرفعها الحراك المدني، والبدء بمحاربته في دوائر قريبة وبعيدة. عليه ان يعترف ان ازمة النفايات هي خطأ فريق 14 اذار وحل الازمة خارج حلول صفقات المطامر، كما ان ازمة الكهرباء هي خطأ فريق 8 أذار، ويضع خطة لحل الازمتين معا. والسؤال، هل يمكن انشاء مشروع وطني جديد من رحم ما تقدم من تضحيات طوال 11 عاماً.


أما مشهد 14 شباط 2016 كان باهتاً. الشحوب الذي يعتلي صورة الارز لم يكسره ضجيج الترحيب. هو العائد من منفاه الاختياري الاجباري. لم تعد عودته تكسر ضجيج الهموم التي تعصف في الصدور. بل اتت نتيجة لخفايا الخطوات التكتية لزعماء التوريث، اي ان تُصغر الزعامات على مقاس الزعيم الصغير القادم. تدخل الطوائف في هذا المسار وتعمل على لملمة اوضاعها وخفض سقفها وقفزاتها لتمرير التوريث داخل ثلاث طوائف على الاقل وفي اكثر من عشرين عائلة سياسية. لبنان لم يكن خائبا مكسورا بقدر ما هو اليوم.

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment