الإقطاع عدو الدولة وغريمها

02/22/2016 - 12:16 PM

 

الدكتور فوزي فري

آفة التوريث التي أنعم بها الإقطاع اللبناني على اللبنانيين هي مصدر كل كوارثنا الحالية والمستقبلية الآتية. هذه الآفة تتعارض مع أتفه أسس تكوين الدولة الديمقراطية التي يطمح إليها الشعب اللبناني، من عدالة إجتماعية ومساواة في الحقوق والواجبات والفرص. التوريث السياسي ينطلق من فكرة خلود المورّث عبر العصور والأجيال لشخصه ومكتسباته، من جاه وسلطة ومال ونفوذ في محيطه القريب والبعيد. يسعى لهذا الخلود السياسي لترسيخ نفسه كحاكم بأمره وملجأً آمناً لرعيته. ذلك كله بعيداً عن منطق الدولة والمؤسسات وأنظمتها المرعية الإجراء، التي تسعى بمجملها نظرياً إلى الإستغناء عن خدمات الزعيم الإقطاعي وتقليص دوره ونفوذه وحصرها بمؤسسات خدماتية ورعوية جامعة. هذه المؤسسات يٌفترض أن يحكمها القانون دون المرور بالزعيم وبخدماته الظرفية الإنتقائية المستخدمة عند كل إستحقاق، كأدوات لا غنى عنها لترسيخ وجوده، مروراً بإلغاء الدولة وبتجييرها لنفسه خدمة لمشروع بقائه في السطة هو وورثته من بعده.

الأخطر في عملية التوريث إمتداد هذا الوباء إلى الطبقة السياسية الجديدة، الرأسمالية المتجددة منها، التي ظهرت في بداياتها من خارج إطار التوريث والعائلات الإقطاعية، وكنقيض للإقطاع السياسي وبديلاً عنه. إلا أنها عادت وتقوقعت خلف جدران الخوف، مقتسبةً النموذج التوارثي لدى الإقطاع السياسي الحاكم، عبر العودة إلى كنف العائلة وعباءتها عند أول خطر إنتابها. أصبحنا نرى العم والعمة والإبن والشقيق وإبن العم والعمة، إبن الأخت والأخ، الزوجة والحفيد، دون الإكتراث للكفاءات المطلوبة لقيادة تيارات عريقة عريضة. تيارات يُفترض أن تحمل في طياتها مشاريع حيوية وطنية يُبنى عيلها، ونماذج مجتمعية متقدمة معاكسة للإقطاع السياسي اللبناني الذي باتت تتشابه معه وتُجَسد جزءاً من نموذجه ، مبتعدةً عن الأطر الديمقراطية التي إنبثقت منها ووُجدت لأجلها.

عند النظر عن كثب، نجد أن الطبقة الرأسمالية المتجددة عادت لإستخدام الأطر والأدوات ومقاربات الطبقة الإقطاعية البالية ذاتها، لا بل إنتقت أسوأها على الإطلاق. تحالفت معها ، دعّمتها بكتلة مالية تجعلها قادرة على التحكم برقاب البلاد والعباد، حيث إستعملتها لشراء الحصة الغذائية والمساعدات الطبية وشراء النفوس والمفاتيح والأصوات الإنتخابية. كوّنت لنفسها إقطاعاً مماثلاً للإقطاع التاريخي الذي يشكو منه اللبنانيون. ذهبت لتقاسم الجبنة معه، دخلت بالمحاصصة والصفقات المشبوهة، بهدف التلائم مع مقتضيات منظومته التوراثية وطمعاً بمراضاته بمشاركته فساده، خوفاً من رفضه لتسلل أي طرف من خارج صفوفه التقليدية إلا بعد إعتماد المسار الفاسد الذي إرتضاه لنفسه.

على الإقطاع السياسي القديم أن يدرك أنه والدولة خطان متوازيان لا يلتقيان، إلا بإذن واحد أحد يدفع بالدولة للتخلي عن الإقطاع بإلغائه وإنهائه من الحياة السياسية. وعلى الإقطاع الرأسمالي المتجدد أن يدرك أن لا أمل ببقائه على ما هو عليه. المطلوب منه اليوم العودة إلى جذور مشروعه الطلائعي الحضاري والسيادي وإلا إندثر وإنتهى.

الدولة والإقطاع لا يمكن أن يستمران في آن معاً. إنّ اية فرصة لإنتاج دولة ديمقراطية حديثة، في ظل وجود إقطاع سياسي يدفع لتحويلها إلى مزرعة خلفية لخدمته، لا تعدو كونها سراباً لا أمل منه. إن أي مسعى للنهوض بالبلد لا يمكن أن يمر إلا بانتفاضة شعبية صادقة على منظومة التوريث بالوعي والرفض والإنقلاب عليها، كهامش أساسي لإنطلاقة مشروع الدولة، وإلا فالنتيجة أمامنا، دولة مارقة وقجّة لتقاسم البيض والعجة.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment