رسالة إلى زعماء لبنان

02/18/2016 - 15:19 PM

 

وائل عياش

أيها الزعماء… سأبدأ رسالتي بالمشهد التالي لأصف حالكم. إن السرطان الذي يفتك في جسد جمهوريتنا وفي فكركم السياسي العائلي هو التوريث المستمد تاريخيا من الإقطاع الذي يحكم لبنان. الأمر الذي يزيد طين السياسة بلّة ويضاعف همومنا من كل ما يجري في جمهوريتنا. إنّ غالبية المحازبين يتبنون فكركم الإقطاعي ويحاربون التجدد داخل أحزابكم سيراً على خطاكم, برغم كون التجدد جزءاً من مبادئ أحزابكم. تخاف أحزابكم التقليدية من إمكانية تغيير المعادلة الطائفية, الديموغرافية, السياسية والمناطقية, معللةً ذلك بالخوف من الأسوأ القادم. لقد حان الوقت للتغيير ومحاسبة اللبنانيين لكم. القاعدة بسيطة, على كل لبناني أن يبدأ من بيته أي من زعيمه. على اللبنانيين أن تكون مرجعيتهم الوحيدة هي الدولة بدلاً من الزعيم والحزب. عندما تحمينا الدولة وتخاف علينا, سنشعر أكثر أننا بشر بكامل إنسانيتنا ومواطنيتنا.

لا نريد أن نحتمي بكم وبأحزابكم وميليشياتكم وأولادكم. نريد الدولة بكامل مؤسساتها مُصانة قوية عادلة. شبع اللبنانيون من مرارة أحزابكم وتجاوزاتها وسرقاتها, وتخويفنا بالأعظم من خلال مخابراتكم وإعلامكم. كل حزب يغني على ليلاه واللبناني يدفع الثمن من حياته وحريته وكرامته وغربته. يا أيها الزعماء, يا أيها الزعيم … يا من تتفاخر بالعِلم والثقافة ولا مدارس في منطقتك. يا من تدّعي السلام, سمعنا عن السلام والأمل والمستقبل وأنت تدفننا أحياء. كل يوم نموت من طغيانكم وحقدكم وفسادكم وزبالتكم ومياهكم وكهربائكم. يا من تقامرون علينا وبنا في رهاناتكم, إرحلوا دون رجعة. لكل زعيم من وطني , إرحل. دعونا نعيش بسلام.

دعونا نعود إلى وطننا. دعونا نعمل بحرية دون خرابكم ومجازافاتكم ودماركم , تارةً لقضية نناصرها وطوراً لقضية نعاديها وأحياناً نختلف على قضايا لا دخل لنا فيها. أولادكم ليسوا سوى نسخة عنكم دون مبادئ, تحركهم مصالح ورثوها عنكم. يتزعمون علينا لتفريغ جيوبنا كما فعلتم. نحن يئسنا منكم ومن خداعكم وأطماعكم. أنتم تجّار القضايا والمواقف.

ألم تدعوا الثقافة والعلم ولم نجد مدارس تعطينا علماً ينير دربنا حين كنا صغاراً, وحين أصبحنا جامعيين لم نجد جامعات وحين طلبنا العمل لم نجد شركات توظفنا. تتكلمون عن التطوير والعولمة ولا تعطونا فسحة من التقدم بمصانع ومؤسسات وشركات ووُرَش ضمن مواصفات بيئية. كل هذا لأنها ليست من إهتماماتكم ولا تشمل مناقصاتكم, ولا تقدم لكم منفعة مادية خاصة, في حين أنّ شركاتكم خارج لبنان, لا يعمل بها لبنانيون كي لا تصابون بالعين ويكثر الكلام عن المحاسبة. تسرقوننا وحساباتكم المصرفية مودعة خارج الوطن, إستثماراتكم في كل بقعة من الأرض إلا في الوطن, الذي تسرقون منه ومن شعبه وحولتم خيراته نقمة. ماذا أكتب لكم من غربتي… بلد المياه لا مياه فيه. أزمة كهرباء منذ أن ولدنا. هل سمعتم أنهم اخترعوا الطاقة البديلة,

وإكتشفنا أنّ على بحرنا بئر غاز يكفينا 50 سنة قادمة. أنتم لا تريدون أن تعملوا, تريدون أن تفتعلوا الأزمات لتسرقوا وتتقاسموا. كيف سنستأمنكم على أبار لبنان من الغاز وأنتم جففتم أنهار لبنان من المياه وسطوتم على الشاطئ. كل أرقامكم تزيد,وجيوبنا تفرغ ويبقى الرقم الأكبر نهب الشعب وإرتفاع ديونه الى 100 مليار والقضاء عليه ديموغرافيا إجتماعياً وتهجيره إلى بقاع الأرض هرباً منكم ومن أتباعكم وتسلطكم. يا أيها الزعماء… إنّ التوريث السياسي في لبنان, الذي يسير بالتوازي مع مشاريعكم الإقطاعية المتنقلة, شمالاً, جنوباً, جبلاً, بقاعاً, ساحلاً, باء بالفشل. قضى على أحلام الشعب, أفقره, هجّره , أخرج أبناءه من الدولة والمؤسسات مقابل تقدم مشاريعكم الخاصة وأولادكم كورثة سياسيين للدولة. ما أودى إلى الحرمان والنهب ومحاربة الشباب وإضعاف البُنيّة الإجتماعية – المادية لشعب يعاني من فقدان أبسط حقوقه من مياه وكهرباء وأمن ونظافة.

الدولة الحقيقية القوية – دولة المواطن- يجب أن تكون المرجعية الوحيدة للبنانيين – بدلا من زعاماتكم الهادمة ومرجعياتكم الدينية الموظفة لخدمتكم. يجب أن يبدأ التغييرالجذري على مستوى التمثيل الوزاري والنيابي, وتطهير المؤسسات كافة, تنقيتها من الفاسدين من محازبيكم وغير المحازبين الذين يدينون بالولاء لكم. يجب تطهير الدولة من إقطاعاتكم المؤسساتية ووقف تلاعبكم بالدستور. أدعو إخواني أخواتي , اللبنانيين واللبنانيات, إلى خوض غمار الإنتخابات البرلمانية والبلدية, وإنتخاب طاقات نظيفة, وعدم منح ثقتِهم لكم لأنكم فشلتم في حمل الأمانة, كما أدعوهم لمحاسبتكم لإسهامكم بالقضاء على مقومات الدولة والشعب.

أيها الزعماء… نحن المغتربون اللبنانيون في شتى بقاع الأرض, نريد العودة للوطن, إلى دولة مصانه وجيش قوي, سلاحه فقط الذي يسود ويحمي، القرار له فقط في قضايا عسكرية مصيرية محلية أو إقليمية. أنا ابن الجنوب وجبل لبنان والبقاع والشمال وبيروت, لا أريد سوى دولة تضمن لنا سلاماً عادلاً شاملاً لجميع اللبنانيين وإنماءً متوازناً. سلام ليس مع عدو بل مع أنفسنا, لنكون يداً قوية وبصمة أمل لأجيال بعدنا. غربتنا ما عادت تأتي بأثقالها لرغيف يومنا, الحمدلله أفضل من حالنا معكم. أصبحنا نستحي بكم ونستحي بأفعالكم أمام بقية الشعوب. تغربونا من أجل الأموال لبلد أنتم تسرقون خيراته وشعبه. ما يُضعفنا كلبنانيين هو أنتم, وعدم مساعدتكم الشعب بمشاريع نهوض وتنمية إقتصادية ودعم التعليم والمدارس والجامعات والإختراعات والتكنولوجيا التي تشكل قفزة نوعية في إقتصادنا. أضرب مثالاً من إخترع المخبز الإوتوماتيكي. لبناني لم يقبل أحد الزعماء دعمه. هاجر إلى إلمانيا,

اليوم المخابز الأوتوماتيكية محصورة بصناعة إلمانية مسجلة هناك. ألم يكن لبنان أحق بها. كم عائلة كان ليرزق هكذا مصنع للمخابز. كم كان سيستفيد لبنان من براءة حصر الإختراع به. قصة من آلاف القصص التي تقتلونها بحقدكم وطغيانكم وحبكم للإقطاع المتنقل. نحن في بلد خيراته, لو أديرت بعدالة, لقدمت للسوق العربي أجود المزروعات والأطعمة. نحن في بلد صناعته الغذائية تستطيع منافسة الأسواق الأوروبية. المطلوب دعم الدولة للمصانع وللمُزارع ولأصحاب المؤسسات الصغيرة -المتوسطة لنتمكن دخول الإقتصاد الجديد. لدينا مقومات نوعية, لذلك نرى نجاحات لبنانية خارج الوطن, قليل ما نراها في بلدنا.

حان رحيلكم , سيأتي يوم لنودعكم فيه من هذا البلد الصغير, ونكون نحن رعاة بلدنا يا ملوك طوائفنا المصادرة بكم. إعلموا أننا لن نبيع وطننا بمال الدنيا كما تبيعون. لبنان أكبر منكم بكثير, كما قال الشهيد رفيق الحريري. إنّ حبنا للوطن أكبر من حبنا لأحزابكم وأفكارها التجارية. ولاؤنا للدولة وجيشها أكبر بكثير من ولائنا لمبادئكم المزيفة التي هي مجرد حبرٍعلى ورق. إرحلوا ودعوا اللبنانيين يعيشون بسلام. *مهندس لبناني مغترب.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment