خريف الزعماء وشتاء التوريث

02/07/2016 - 16:53 PM

 

زينة منصور 

يعيش زعماء لبنان خريفاً سياسياً يأخذ الدولة والشعب نحو إنتحار جماعي في شتاء من التوريث وسوداوية المستقبل. تتجذر الذهنية الإقطاعية داخل الأحزاب الطائفية بعبيدها ونعاجها وحماة بوابتها حائطاً فولاذياً أمام أي مشروع نهوض للدولة المدنية الحديثة. تتغلغل كالشيفرة السرية داخل المجتمع في ظل صراع طبقي بين عائلات إقطاعية هيمنت على السياسة واحتكرتها وأخرى غير سياسية. تحمل الأحزاب اللبنانية , من باب الدعاية السياسية , أفكاراً ترويجية عن حقوق الطبقتين الوسطى والكادحة, في حين يقبع على رأس كل منها إقطاعي كبير او صغير , تحول من مليونير إلى ملياردير, جمع أمواله في العقود الآخيرة من إستغلال السلطة. لا يعلم عن الفقراء إلا أنهم ناخبون في جولة إنتخابية قادمة.

أما أبناء الطبقة الوسطى توصد الأبواب أمامهم بإحكام. قد يتم طردهم من الأحزاب الطائفية أو إستقطابهم بحسب حاجة الزعيم للتسويق والترويج ضمن خطط مرحلية تكتية. في كثير من "مُقاطعات" الزعماء, ولدت أجيال جديدة موازية لجيل "ابن الزعيم" تعاني من الإحباط واليأس والتهميش. أجيال توقفت عن طلب العلم والتحصيل لإعتقادها أنّ جميع نوافذ الوطن مقفلة ولا جدوى من المحاولة. بعضهم يفكر بنيل الجنسية السورية لتسهيل الهجرة, آخرون إنفصلوا عن الواقع ولجاؤا الى التديّن والتزمت او إعتزلوا القضايا العامة إلى هوايات بعيدة عن النفاق السياسي, والباقون هاجروا دون عودة.

إنّ نموذج الزعيم , ابن الأسرة الإقطاعية وآلته الحزبية المختزِلة للتنوع, شكّل حالة من إنسداد الأفق وضيق الصدر أمام أجيال لم تعد ترى بمقولة "ملك على عرش الطائفة" أي منفعة للجماعة. وأضحت مقاربة باهتة لا تعدو كونها عزّاً باطلاً لصاحبها وحاشيته. هكذا, تحولت الأحزاب الطائفية, أداة الإقطاع السياسي , إلى مخلب سياسي إجتماعي ينهش في جسم المجتمع والدولة والمواطَنة والدستور والمؤسسات. وتحوّل ربيع الميثاق الوطني شتاءً مع زعماء يقدمون مشاريعهم العائلية الإرثية والحزبية على دستور الوطن وحق المواطن.

ها هو خريف الزعماء يطل مع شتاء توريث أولادهم, بعد أن ورث قسم كبير منهم النيابة او الوزراة او الزعامة عن أبائهم وأجدادهم وأخوالهم وأعمامهم. ويجري ذلك في ظل عاصفة من الإستعانة بالخارج من سفراء ودول لتمرير التوريث على قواعد شعبية لم تعد تملك صوتاً للرفض بعد قرون من الإقطاع وإقتطاع حصصها ودورها ونفوذها في الدولة, حتى أنها لم تعد تذكر إن كان لها من حصة في النظام اللبناني. باتت لا تسمع عنها سوى في نشرات الأخبار, حين تصغي لآخرين من طوائف أخرى يطالبون بحصصهم وحقوقهم في المؤسسات والإدارات والجيش والبرلمان والحكومة. أسَّسَ الإقطاع المتجذّر لأرضية خصبة من الحرمان والتهميش للجماعة. إرتفع منسوب أزمة الاختزال وفاض, ما حدا ببعض الزعماء إلى إعلان فناء جماعته وهم أحياء يرزقون, بهدف تقزيمها وتحجيمها من أجل توسيع دوره الشخصي ومكتسباته في عملية الهيمنة والإختزال والتوريث والإدارة لمقداراتها.

من هنا , تعيش الطوائف اللبنانية حالة مرضية مزمنة لذهنية تدجينية من الإقطاع التاريخي المنظّم. تعتقد الطوائف المسيحية والإسلامية مخطئة , أن زعيمها يمسك قبّة السماء, وتنعدم فكرة محاسبته وإسقاطه في الإنتخابات وعزله من الحياة السياسية وقول لا للتوريث السياسي لإبنه من بعده. تعيش هذه الطوائف بعقدة الخوف من الآخر. يدعم هذا المناخ , جوقات من "منحبكجيّة الزعيم" تقوم بحملات التسويق الدعائي ورفع شعارات تدغدغ الطبقة الوسطى في حين يستحيل على الزعيم تغيير جلده وجلد أجداده الذين شربوا من ضرع الإقطاع.

يقف زعماء لبنان على مركب يغرق ببطء في بحر من مظلوميات طوائفهم المحرومة المهمشة. يتمسك كل واحد منهم بمشروعه , رغم إدعائهم بأنهم سيعبرون إلى الدولة. لا يقبل الزعيم, الذي عوّدته طائفته على فكرة الإله السياسي المعبود, الإصغاء لأي رفض إجتماعي لعملية التوريث. إنّ الزعيم رغم ارتياده للجامعات المتقدمة شكلاً, ما زال أداؤه السياسي يدعو لإعتماد العشائرية, متبنياً منطق القرون الوسطى, وذلك لإنحداره من ذهنية تعتبر أن السياسة حق حصري متوارث لعائلته جينياً. وهنا تكمن إشكالية "ذهنية الإقطاع" قبل إشكالية ذهنية "القطيع" او بالتالي عبيد منظومة الإقطاع.

يعيش الرأي العام اللبناني أزمة تململ من كل ما يمثله زعماء الطوائف وأحزابهم القابضة على الدولة, بينما يحمل مفهوم الدولة المدنية فكراً مناقضاً لمشاريعهم , لذا تجري محاربته بقوة. ففي حين يدّعون إحترامهم للدولة, إلا أن كل واحد منهم يدأب على بناء "مقاطعته" الحزبية الطائفية. إنّ أيّ تمثيل نيابي يُرجعنا إلى إعادة إنتاج الزعامات التقليدية عبر إنتقالها للأبناء والأقرباء سيُسهم في إعادة إنتاج الأزمات الوطنية. كما إنّ أي تمثيل سياسي مبني على أن يحل الإبن مكان الأب في القيادة السياسية, هو تأسيس لحروب وأزمات وإختزال وحرمان وتهميش خطير , سيؤدي إلى إنفجارات تغرق المركب بكل من فيه وتقضي على أسس الجمهورية.

 

بيروت اوبزرفر

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment