ايران بعد رفع العقوبات غير ما قبله

01/20/2016 - 13:53 PM

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

تعود ايران الى قلب المجتمع الدولي بعد الرفع التدريجي للعقوبات عنها.  اقتصاد ايران متنوع ولن يحتاج الى الوقت الطويل كي يزدهر من جديد.  يتوزع الانتاج الايراني على 50% للخدمات، 41% للصناعة و 9% للزراعة.  ضمن هذه الأرقام لا يشكل القطاع النفطي بالاضافة الى الغاز خمس الناتج المحلي.  في سنة 2011، كانت تنتج ايران 1,65 مليون سيارة سنويا.  اقتصاد ايران غني بالمواد الأولية والطاقات الشابة المتعلمة داخل الحدود وخارجها.  64% من الشعب الايراني هو ما دون 35 سنة من العمر أي طاقات منتجة كبيرة.  هنالك خلل مهم داخل الدولة في العديد من المؤشرات، أهمها أن 73% من الشعب يعيش في المدن أي نزح بسبب الاقتصاد والاجتماع والرفاهية، ولا بد من التنبه لهذه المتغيرات التي تنعكس سلبا على البيئة والحياة المدنية والتنوع كما التوزع الاقتصادي بين طبقات الشعب.

لا تتعدى نسبة الأمية 13% من مجموع السكان و 2% فقط بين الشباب والشابات أي ما بين 15 و 24 سنة من العمر.  هنالك 4,4 مليون طالب في الجامعات بينهم 60% من النساء.  44% من الجامعيين يتخصصون في العلوم أي التكنولوجيا والهندسة والرياضيات بالاضافة الى الفيزياء والكيمياء وغيرها.  13,3% من الشعب حاصل على شهادة جامعية مقارنة ب 12,5% في المكسيك، 11,7% في البرازيل و 6,9% في أندونيسيا.  لا بد من العودة الى نوعية البرامج في الجامعات والمعاهد والمدارس كي تتناسب نوعية التعليم أكثر مع متطلبات وتحديات وتقنيات القرن الواحد والعشرين.  العلوم والأداب تقدمت جدا في العقود الماضية، ولا بد من اللحاق بها حتى تكون الأجيال الجديدة أكثر انتاجية واستيعابا للمتغيرات المتنوعة.

يبلغ الناتج المحلي 1,4 ألف مليار دولار أو ما يقارب 1,5% من الناتج العالمي أي في المركز ال 18 عالميا.  أما الناتج الفردي فيبلغ 17 ألف دولار لدولة يفوق عدد سكانها على 80 مليون نسمة، أي يتفوق على الناتجين الفرديين البرازيلي والصيني بالرغم من الحصار والعقوبات.  نسبة الدين من الناتج لا تتعدى 12% وهي من أدنى النسب العالمية.  هنالك ملايين الايرانيين في الغرب، خاصة في الولايات المتحدة وبريطانيا، هاجروا قسرا بسبب السياسة كما بسبب الحياة الاجتماعية التي تعودوا عليها قبل الثورة ويرغبون في الحفاظ عليها.  هنالك ملايين من المتعلمين والمتمولين الذين يستطيعون خدمة ايران وتطويرها وهم موجودون أيضا في كل المؤسسات العالمية وبارعون جدا في كل القطاعات والمجالات.  ايران اليوم ليست ايران التي يمكن أو يجب أن تكون عليه، وعندها تصبح مفيدة ليس فقط لها وانما لكل المنطقة بدأ من الخليج الى أقصى الحدود.  اذا حررت الأوضاع الجديدة ما يقارب 100 مليار دولار من أصول الدولة الايرانية، فهي لا شيء نسبة للحاجات المتنوعة بدأ من قطاعي النفط والغاز الى البنية التحتية كما الفوقية من تعليم وتربية وصحة وغيرها.  تشير الدراسات الى حاجة ايران الى ما يفوق ألف مليار دولار خلال العقد القادم لبناء وصيانة البنية التحتية فقط، أي طرق ومطارات وكهرباء ومياه واتصالات وغيرها.  السباق مع الوقت هو الأساس.

هنالك اصلاحات كبرى مطلوبة في القوانين والاجراءات الضرورية لاجتذاب الاستثمارات.  يحتاج الاقتصاد الغربي في زمن الركود الى الأموال الايرانية.  ظهرت جليا هذه الحاجة عبر شراء الطيران الايراني ل 114 طائرة "ايرباص" لتجديد الاسطول وتطويره وتوسيعه.  لا شك أن الشركات الأميركية وفي مقدمها "بوينغ" تنتظر بفارغ الصبر أن تسمح لها السياسة الأميركية الداخلية بالمنافسة الجدية في السوق الايرانية المتنوعة.  كلما تأخرت أميركا، كلما سيطرت أوروبا وربما أسيا على القدرات والمشاريع والفرص الذهبية الايرانية.  أميركا في سنة انتخابات دقيقة تتمهل جدا في اقرار خطواتها حتى لا تعيد علاقاتها الدولية الى الوراء ليس فقط مع ايران وانما مع كوبا وأوروبا والصين والمكسيك وغيرها.  اذا فاز الجمهوريون في الانتخابات الرئاسية القادمة، ربما نشهد تراجعا أو قلبا للمواقف أو أقله تشويشا على الانجازات الديبلوماسية الكبيرة التي حققها ويحققها الرئيس أوباما.

عودة ايران الى المجتمع الاقتصادي الدولي لا يعني تراجعا للدول العربية اذا أحسنت التعاون معها للمصلحة المشتركة.  لماذا لا نستطيع في منطقتنا التعاون الذي نجحت به كل مناطق العالم بدأ من أوروبا الى أميركا وأسيا وأفريقيا؟  كان الاقتصاد الأوروبي قريبا من الانهيار وكان نقده في أسواء الأوضاع واستطاع الحفاظ على حيويته واتفاقاته ومصالحه المشتركة.  لماذا النجاح الايراني يعني فشلا عربيا والعكس بالعكس؟  يجب أن تكون لنا القدرة في المنطقة على التمييز بين الغايات السياسية والمصالح الاقتصادية المشتركة التي تفيد الجميع.  بعد انخفاض سعر النفط، يصبح التعاون أهم بل ضروري للانقاذ الاقتصادي المشترك أي ربما تكون الأوضاع النفطية الجديدة دافعا للتغيير.  فالحاجة تبقى أم الاختراع حتى في منطقتنا.  أما المشاريع الصناعية، فتنتظر التعاون العربي الايراني تنويعا للانتاج ورفعا تدريجيا للدخل القومي الذي يبقى أدنى بكثير من قدرات المنطقة البشرية والمادية.  ظروف سعر النفط المنخفض يجب أن تكون دافعا للتغيير المطلوب ليس اليوم فقط وانما دائما بل طال انتظاره.

ما المهم بل الأهم الذي تحتاج اليه ايران اجتذابا للاستثمارات الخارجية التي بلغت 43 مليار دولار السنة الماضية مقارنة ب 209 مليار دولار لتركيا التي تحتوي على عدد السكان نفسه؟  هنالك اصلاحات قانونية ضرورية تتناسب مع متطلبات القرن ال 21 والأوضاع الاقتصادية العالمية، وذلك تبعا للكاتبين "سايرس أمير مكري" و "حميد بغلاري" نشر في مجلة "فورين أفيرز" الرائدة في أواخر السنة الماضية:

أولا:  تقوية حماية الملكية الفكرية التي تعتبر اليوم أساس الاختراع والتجدد والابتكار.  ايران غنية بكل الطاقات وتحتاج للايطار القانوني الضروري.

ثانيا:  خصخصة العديد من القطاعات اذ من الصعب على القطاع العام، أي قطاع عام، القيام بالاصلاحات الضرورية الحتمية التي فرضتها العقود الماضية.  المطلوب الاسراع في التنفيذ للتعويض عن الأوقات التي هدرتها السياسة لأسباب نووية أو غيرها والتي تحتاج الى دينامكية القطاع الخاص الداخلي والخارجي.  ما حصل من خصخصة سابقا أي تحويل ملكية الشركات من القطاع العام الى مؤسسات يملكها أو مرتبطة بالقطاع العام ليس جيدا، بل لا يعطي النتيجة المتوخاة أي رفع الانتاجية لتحسين الاداء ورفع مستوى وجودة الخدمات.

ثالثا:  هنالك اصلاحات مالية واقتصادية ونقدية ضرورية يجب تنفيذها كي يستطيع القطاع العام التأثير ايجابا على المؤشرات الاقتصادية.  من الضروري تحديث دور المصرف المركزي، أي تقوية الاستقلالية لمحاربة التضخم بجدارة وهو ما تحتاج اليه ايران اليوم.  تشكو ايران من التضخم، أكثر من أي شيء آخر، بسبب الاقفال العملي وليس الكلي للتبادلين التجاري والمالي الدوليين لعقود خلت.

أخيرا يمكن القول أنه اذا نجحت ايران في التخلص من قسم من العوائق القانونية والاقتصادية الداخلية، ستنمو من جديد بقوة وسرعة وتعود الى مصاف الدول المتطورة وتدخل الى مجموعة الدول العشرين لتشارك في وضع القرارات التي تلزم كل دول العالم.  لا بد للحكومة الايرانية من أن تشجع الايرانيين الموجودين في الخارج على الرجوع أو الاستثمار، وهذا ما فعلته الهند والصين وايطاليا وما يحاول أن يفعله لبنان.  هنالك مقولة ل"ولتر ريستون" الرئيس السابق لمصرف "سيتي كورب" هي "أن رأس المال يذهب الى الدول التي تحسن استقباله، ويبقى في تلك التي تعامله جيدا".  فلنتعظ ونبقي الرساميل في منطقتنا للنمو والتنمية.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment