الدنح: ميلاد المسيحين المشرقين وقضية المسيحية المشرقية

01/18/2016 - 12:01 PM

 

الاب الدكتور نبيل مونس

الى أين المصير؟ كانت من أولى صلواتي المكتوبة في بداية الحرب اللبنانية وكنت شابا يانعا في مستهل الحياة. لكنني كنت قد دخلت في ساحة المعركة الروحية. في أشدها ضراوة لأنها في الداخل الروحاني وفيها الصراع الأقوى ضد الذات والتخلي عن العالم للانخراط في الثورة الأكبر الا وهي الموت عن "الأنا" ليحيا القريب والغريب،المشرد والعطشان،ليتحرر المسكين، الاسير والجاهل .... أربعون سنة مضت ولم يزل السؤال مطروحا كما هو، لم يتغير شيء في سماء الشرق كله. الى أين المصير؟.

منذ الدنح الأعظم انفتحت السماء. لم يحدث مثل هذا فقط لا في الطبيعة ولا في التاريخ. اي تغير في مجرى الكواكب والدوائر الاثيرية يحدث تغييرا شاملا وكاملا في الارض والحياة. هذا ما حصل في "الدينوزور" تلك الحيوانات العملاقة.

انطلق صوت من السماء لم يدمر الارض ولم يحدث زلزال، لانه صوت الاب المحب الحنون الجبار،الذي شق السماء وانزل علينا، ليس كما حصل في العهد القديم ندى، رذاذ من ماء الحياة او من المن والسلوى، إنما ابنه الوحيد لخلاص العالم ولا يوجد اعظم من هذا الحب ولا اروع . الهذا الحد والمد احبنا أبانا الذي في السماء. انها المعجزة الإعجاز. انه الفعل الالهي. انه اله من اله. "هذا هو ابني الحبيب الذي عنه رضيت".

الى أين المصير؟.

اننا امام عهد جديد لم يخطر على قلب بشر، السماء تنشق، الله بصوته يعلن عن ابنه، الله بروحه يرفرف عليه. من يرى؟ من يسمع؟ من يؤمن؟ الى متى ندفع الثمن؟ الثالوث هنا! الله الحق والصوت الحق والروح الحق هنا في اونوة مقدسة اعظم من انفجار الذرة وكينونة الوجود والحياة. أليس لذلك قتل المسيح؟ لانه تجرأ وقال انه ابن الله؟ لم يتغير شيء... السنا جعلنا حملانا للذبح لأننا قلنا وسنقول ونبقى على العهد والإيمان بان يسوع هذا :هو المسيح ابن الله الذي جاء ليخلص العالم ويعلم بني البشر ان الله احبهم حتى انه جعله الحمل الفصحي الأضحوي الحامل خطايا العالم. فلا نقتل بعد احداً.

- الابادة الجماعية الأرمنية : ١٩١٥- ١٩١٧ و ١٩٢٣

اننا في ذكرى المئوية لحدوث هذه المأساة الانسانية . مليون ونصف تقريبا ماتوا ذبحا وجوعا، تشردا وشنقا، خطط لهذا الفعل الشنيع حكام تركيا الفتية في ذلك الوقت الا وهم: جمال باشا، طلعت باشا وانبر باشا. تجدر الإشارة ان العثمانيين قد سبقوا وأبلوا بلاءً في التفظيع والقتل و في هذه الاعمال الإجرامية. لن ادخل في التفاصيل والخدع التي قاموا بها ليفعلوا فعلتهم الشنيعة الرهيبة. أمدوا بها واشدوا، كما قال احد المسؤولين المجرمين: لا محل للضمير في تنفيذ هذه الإبادة، وهذا يكفي لنا لنفهم وحشية الإبادة. الرقم اكبر دليل على فداحة العمل الإجرامي.

- الإبادة طالت اليونانين الأرثوذكس في البونطيك، الكلدان، الآشوريين والسريان: ١٩١٥- ١٩١٧

هنا نترك الأرقام تتكلم : ٧٠٠٠٠٠ من الكلدان والآشوريين والسريان وكأننا في بحر من الدماء. لم تبلعه الارض، إنما يصرخ وسيظل فوق الارض وفي السماء. قايين ماذا فعلت بأخيك. المسيح شق السماء. الله يرى ويسمع وايضاً صوت ابنائه المظلومين يرتفع الى قلب الله. ليس فقط ملائكتهم امام مذبح عدله انما خصوصا أصواتهم ودماؤهم. يوم الدينونة آت وان تأخر فهو آت. ان لم تعدل الارض ولم يع ضمير الانسان. الرب قال: " لي الانتقام" (عب١٠/ .٣) .

- المجاعة الكبرى في جبل لبنان: ١٩١٤- ١٩١٨

كثيراً ما ملأ جدي ذهني بعد صلاة المسبحة عند كل مساء عن اخبار المجاعة. طبعا، وثقت بكلامه. انطبعت في ذاكرتي آلالام أهلي وشعبي وكنيستي المارونية. كذلك كانت جدتي تتسابق معه للتحدث عن بطولاتها في الصراع للبقاء على الحياة وتمزجها لي ببطولات الأنبياء والقديسين. فكنت حيناً أرهب الحياة وفي الحين الاخر افرح بانتصار الأبطال القديسين في الكتاب المقدس وأخبار أهلي وأجدادي الذين مروا في اصعب التجارب ولم يكفروا او يجحدوا إنما حافظوا على وديعة الايمان حتى في أحلك الأيام واوحشها.

كتاب الاستاذ الدكتور أنطوان بستاني وكتاب المؤرخ توتل كريستيان مع الاب بيار ويتوك حملوا لي الصور التي حملتها فقط في مخيلتي. أوصلوا لي الأصوات الصارخة في صمت هذا العالم. من ١٥٠٠٠٠الى ٢٥٠٠٠٠ ضحية هذه المجاعة الكبرى التي فرضها جمال باشا لينهي على إيماننا . حاول ان يغلق علينا الارض والسماء. لكنه لم يفلح. فانقلبت عليه السماء ومات مرميا بالرصاص بعيداً عن بلده بعد الحكم عليه بالإعدام في بلده نفسه.

- الأمثولة:

السماء التي شقها الله من فوق لن يتمكن احد على غلقها. الشهيد الاول للمسيحين اسطفانوس تحت الرجم رأى السماء مفتوحة وابن الله جالس من عن يمين الله في أعالي مجده. الروح الذي هبط من السماء سيبقى ينزل على كل مسيحي يقبل كالحمل الى المغطس، يعني الى الوجود المتحول المتقلب القاتل، فالله من عليائه سيصرخ غصبا عن كل الصراخات وأعلى واكبر منها كلها ان كانت اليوم او بالأمس بأننا أبناؤه الأحباء. الروح لن يحده او يصده اي شعب اي نبي او دين او سلاح، مهما كان. سيهب دوما حيث يشاء وأينما كان. لانه الحق والقوة وهو روح الله القدوس له المجد والملكوت في الارض والسماء ...

* خادم رعية مدينة بوردو- فرنسا

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment