وداعا ً غريغـوار حداد

12/28/2015 - 14:16 PM

غريغـوار حداد

 

كتب الدكتور حسن بزي

عرفته في عدة لقاءات جمعتنا به مع مجموعة من الزملاء الجامعيين والبحاثة في تناول موضوعات ودراسات حول المجتمع اللبناني عبر "الحركة الإجتماعية" التي تأسست في أواسط الستينات من القرن الماضي... وتعرفت عليه أكثر من خلال كتاباته ومقالاته التي تركها، عرفته كذلك من خلال مواقفه الوطنيّة والإنسانيّة ومن خلال مدرسته الأخلاقيّة والعَلمَانيّة التي حفرها في نفوسنا وضمائرنا... لقِّب بأبي الفقراء والمساكين وبالمطران الأحمر لآرائه الثورية الجريئه والتي سببت له أزمة مع بطرك الروم الكاثوليك حيث تم نقله من أبرشية بيروت إلى أضنه بعد أن نسب إليه الإنحراف اللاهوتي رغم براءة البابا له عبر لجنة بابوية درست مقالاته بعد ترجمتها. كان الأب غريغوار أحد رواد العلمانية وتيار المجتمع المدني حيث ترك لنا بالإضافة إلى مقالاته في مجلة "آفاق"، مجموعة من الكتب منها: العلمانية الشاملة، تحرير المسيح والإنسان، المسيحية والمرأة... وكلها تحمل نفحات التغيير وتحرير الدين من شوائب الجهل والتعصب وتحرير الأوطان من عقول الفساد والمفسدين في الأرض وتطبيق العدالة في "استقلال" الدين عن الدولة...

كان المسيح، لغريغوار حداد ، يمثل الحب المجاني، وهو الأمر الذي لم يعجب من ينطقون باسمه وينتحلون صفاته وهم رجال الدين بل رجال الدنيا المتحالفون مع الطبقة الحاكمة من برجوازية ورأسمالية... هؤلاء مجتمعون كانوا يمثلون بنظر الأب حداد أعداء المسيح الذي تقرب من الطبقات الفقيرة والفقراء الذين هم أقرب إلى التفاعل مع المحبة وفهمها.

في العلمانية، (بفتح الـ ع أي تنسب إلى العالمية) كانت آراء الأب حداد هي الفصل بين الإيمان والمجتمع، لأن الإيمان يتجاوزالدين لينفتح على بقية الأديان ويلتقي بكل الأفكار الإنسانية حتى الملحدة منها، حيث تكمن حرية الإنسان في تحديد علاقته مع ربه في أن يكون مؤمنا بالله أو ملحدا ً أو مؤمناً على طريقته أو مذهبه... حيث لكل إنسان الحق أن يعمل ويتعاون مع أخيه الإنسان شرط أن يقبل بوجوده وأفكاره وآرائه، لأن الحقيقة المطلقة بالتالي لا يمتلكها إلاَّ الله وحده، أما الحياة الإجتماعية فتقوم على التعدد والتعاون لمصلحة الجماعة دون أي تفرقة أو تعصب وكلها ضمن مبدأ النسبية. وهنا مبدأ فصل الدين عن الدولة، أو كما كان المطران حداد يفضل القول باستقلال الدين عن الدولة، أي في فك الإرتباط بين السياسة والدين وبين الإيمان والسلطة، حيث الإيمان إقتناع والسلطة هيمنة وهو ما يتماشى مع قول السيد المسيح: "لم آت لأُخدَم بل لأَخدِم"... أو مخاطبة الله لنبيه:" فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر( سورة الغاشية).

كان الأب غريغوار من رواد الحوار بين الأديان، لأن الحوار قبل الصراع غنى، وأعطى مثلاً عن لبنان الذي يجب أن يكون وطن بشري ـ إنساني يجب إبعاده عن كل التأثيرات الدينية والطائفية ليتعايش فيه المؤمنون والملحدون والقدريون... في جوٍ لاتعترف فيه المسيحية بالغير كذلك الفلسفة الإسلامية لا تعترف بالكثير من تعاليم المسيحية كذلك اليهودية، وهو ما يعرض الأوطان التعددية للحروب والهزات كما حدث ويحدث في لبنان وسوريا والعراق وفلسطين ومصر... والعد يطول في مختلف أقطار العالم منذ القديم في مسلسل الحروب الدينية والطائفية، حتى اليوم.

الحركة الإجتماعية التي أسسها الأب حداد كانت النهر العذب الذي ينساب من شمال لبنان إلى جنوبه ومن ساحله إلى جبله وبقاعه، استطاع على مدى نصف قرن أن يستمر ويستقطب  عدد كبير من رجال الدين أمثال السيد موسى الصدر والسياسة أمثال كمال جنبلاط وجيش جرار من الأكاديميين والحزبيين والعلمانيين والطلاب.

نختم بقولٍ كان يلتقي فيه المطران مع غاندي بقوله: يجب أللا ّ تفقد الثقة في الإنسانية، فالانسانية كالمحيط، إذا كانت بعض قطراته وسخة، فإن المحيط لا يصبح وسخاً»... وداعاً أبونا المطران، نودعك اليوم كما ودعنا بالأمس هاني فحص وغيره من رواد المجتمع المدني... رموزٌ تغيب والوطن بأمس الحاجة لها، بعد أن نهشته ذئاب الطائفية وتجار السياسة والدين ومافيات "الزبالة" ومصاصي دماء الفقراء.  

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment