ثروة لبنان النفطية عظيمة... فلماذا الانتظار؟

12/15/2015 - 11:42 AM

 

كتبت ميشلين أبي سلوم*

كل التوقعات المتفائلة ببدء استخراج النفط والغاز اللبنانيين من البحر، قبالة الشاطئ اللبناني، ذهبت أدراج الرياح. والعام 2015 الذي كان الكثيرون يراهنون على أنه سيشهد بدء إنقاذ الاقتصاد اللبناني من أزمته الخانقة، بتدفّق الذهب الأسود، انتهى على ارتفاع جديد في المديونية وتخبُط سياسي واقتصادي واجتماعي وهواجس مالية.

وأثبتت الطبقة السياسية التي تتحكم بالبلد أنها عاجزة حتى عن إدارة الأزمة، بصراعاتها وتجاذباتها ذات الطابع الطائفي أو المذهبي أو السياسي أو حتى الشخصي. ومن البديهي أن تكون هذه الطبقة الغارقة في أزمة النفايات عاجزة عن معالجة ملف أكبر هو ملف استخراج النفط والغاز، بمئات المليارات من الدولارات.

وثمة مخاوف من تراجع الآمال بقطف ثمار المخزونات النفطية في قعر البحر اللبناني، لأن للتأخير ارتدادات سلبية، خصوصاً في ظل النشاط الهائل الذي تمارسه إسرائيل في هذا المجال، والذي يتضرر منه لبنان عن طريقين: سرقة الآبار المحاذية وسرقة الأسواق التي كان يفترض أن يسبقها إليها لبنان لو أتيح له البدء بالاستخراج!

فعلى رغم إعلان شركة نوبل للطاقة الأميركية في 22 حزيران 2010 وجود حقل هائل للغاز هو فيتان، يحتوي على ما لا يقل عن 16 تريليون قدم مكعّبة في منطقة امتياز قبالة الشواطئ اللبنانية، وعلى رغم الدراسات التي أكّدت أن بحر لبنان يعوم على 40 بليون برميل من النفط الخام، فإن عوامل داخلية وخارجية تحول دون المباشرة باستخراج النفط والغاز اللبنانيين.

مشكلة الكهرباء والبطالة والركود الاقتصادي

ويؤكد الخبراء الاقتصاديون أن الاستثمار في النفط يحل المشاكل الاقتصادية والمالية التي عانى منها لبنان، كالدين العام الذي وصل إلى ما يقارب 70 مليار دولار، فضلاً عن مشكلة الكهرباء والبطالة والركود الاقتصادي والخلل في الميزان التجاري. ومن شأن الاستخراج أيضاً أن يحقق الاكتفاء الذاتي وينمّي القطاعات الانتاجية كالصناعة والزراعة. لكن التجاذبات السياسية والفئوية الصغيرة تعوق الإفادة من هذه الثروة الهائلة.

وحالت التجاذبات دون استحداث وزارة للنفط، في ظل الخلافات على تقاسم الحصص والأرباح. وثمة من يقول إن الدولة اللبنانية تنتظر الضوء الأخضر الخارجي للانطلاق بعملية الاستخراج، وذلك لأن شركة نوبل الأميركية هي التي نالت الامتياز في إسرائيل وقبرص وتريد الامتياز في لبنان.

وفي أي حال، إسرائيل وسواها من دول المنطقة بدأت تصدّر نفطها المستخرج من البحر الأبيض المتوسط، ومن آبار محاذية للآبار اللبنانية، وهي سبقت لبنان إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية، والتي كان يأمل في تكون أسواقاً له. والجميع يتقدّم... وهو غارق في أزماته الصغيرة بلا أي مبرّر منطقي.

وهناك من بدأ يقول للبنانيين: لن يكون لكم نفط ولا غاز قبل الحلول الكبرى في الشرق الأوسط، والدولة العاجزة عن انتخاب رئيس للجمهورية وتسيير أبسط الأمور، لن تكون لها ميزة الدخول إلى نادي الدول النفطية.

وإذا صحّ هذا الكلام، فعلى اللبنانيين انتظار سنوات وسنوات، لتنجلي الأزمة في سوريا وربما لينتهي الصراع العربي - الإسرائيلي. وحتى ذلك الوقت، مَن سيستفيد من ذهب لبنان الأسوَد؟ اللبنانيون أم سواهم؟

تحديات استخراج النفط اللبناني

يتساءل كثيرون عن موعدالبدء في إستخراج الثروة الغازية والنفطية في لبنان، وتصديرها، للإستفادة منها وتخفيف دين الدولة. فالتأخير سيضع هذه الثروة أمام تحديات متزايدة. كما أن هناك تحديات قد تنتج عن عملية الاستخراج وعدَّدها البروفسور جاسم عجاقة بالآتي:

أولاً: إحتمال توجيه ضربات جوية إسرائيلية لمنصات التنقيب والإستخراج في عرض البحر. وهذا الإحتمال سيزيد في حال تطورت الأزمة السورية لمصلحة النظام. وقد يؤدي ذلك إلى مواجهة واسعة مع إسرائيل التي ستعمد إلى ضرب البنية التحتية اللبنانية على غرار ما حصل في عدوان 2006. وفي نفس الوقت ستؤمن حماية على مدار الساعة لمنشآتها النفطية والحيوية في البر والبحر.

ثانياً: إن هذا الإحتمال سيؤدّي حتماً إلى تردّد الشركات العالمية في المشاركة في عمليات التنقيب. وسيزيد هذا التردّد أسعار شركات التأمين التي ستزداد ميكانيكياً في حال حصول مواجهات بين إسرائيل ولبنان.

ثالثاً: هناك ظاهرة جديدة هي إستخراج الغاز الصخري الذي ظهر مع تقدّم التقنيات والذي سيجعل من أميركا مُصدّراً للغاز في فترة وجيزة. وبدأت الأصوات تعلو في فرنسا وألمانيا لإستخدام هذه التقنيات لإستخراج الغاز الصخري في هذه الدول، والذي قد يُقلل في حال نجاحه من إعتماد أوروبا على الغاز المستورد وبالتالي الغاز اللبناني.

رابعاً: في حال تمّ تخطّي التحديات السابقة، يبقى السؤال عن كيفية تصدير الغاز اللبناني إلى أوروبا. وعلى هذا الصعيد، يكثر الحديث بين إسرائيل وقبرص واليونان وإيطاليا عن مشروع أنبوب غاز بحري مشترك لتصدير الغاز المُستخرج من هذه الدول إلى أوروبا. ولبنان حتى الساعة، خارج المعادلة كلياً، وبسبب التأخر، قد يُصبح ملحقاً لهذه الدول في حال تم البدء في تنفيذ هذا المشروع.

الاستخراج اليوم أم التأجيل؟

في المقابل، يقول الوزير السابق شربل نحاس: نحن نعارض بشدة استخراج النفط في الوقت الحالي وفي ظل هذه الطبقة السياسية التي لا يزال الحراك المدني يواجهها نتيجة أزمة النفايات. ويرى نحاس أن المشكلة الأبرز التي يجب معالجتها ودراستها في ملف النفط والغاز هي مصير الأموال التي ستنتج عن استخراج النفط وبيعه، مشيراً إلى أن القانون اللبناني يفرض أن تتوجه هذه الأموال إلى صناديق سياسية. وهو في ذلك يخالف العديد من الخبراء.

ففي مقابل أصرار نحاس على عدم استخراج النفط في ظل طبقة سياسية يشوبها الفساد، برزت وجهة نظر أخرى تنادي بضرورة الإسراع في بت هذا الملف، واستخراج النفط والإفادة من موارده المالية، مثلما فعل بعض دول الجوار. وبرزت اسرائيل كمثال لدولة استطاعت الإفادة في وقت مبكر من قطاع النفط والغاز قبل أن يتم اكتشاف حقل الغاز المصري، الشروق، الذي اتفق الجميع أنه سيقلب المعادلة النفطية في الشرق الأوسط.

الكلفة الدنيا 5 مليارات دولار

ويدعو القطاع الخاص اللبناني إلى الإستعجال في ملف الاستخراج، لأن لبنان اليوم يعتبر دولة لا تمتلك مخزوناً من النفط أو الغاز وفق وجهة النظر الاستثمارية، اذ أن الشركات تقيّم استثماراتها وفقاً لكميات الغاز والنفط المكتشفة، وهو ما لم يحدث بعد في لبنان. وكلما تأخر الاكتشاف انخفضت الرغبة في استثمار هذه الحقول، وخصوصاً مع اكتشاف الحقل المصري الذي يُسهّل عمل الشركات، نظراً لوجود تجارب سابقة للشركات في هذا البلد، ما يعني وجود البنية التحتية والقانونية اللازمة لدعم هذا الاستثمار، على حد تعبير رئيس ادارة شركة تري اوشين اينرجي المختصة في استثمار حقول النفط والغاز حول العالم محمد الانصاري.

ونظراً لأنّ الاستثمار في هذه القطاعات يتطلب مبالغ ضخمة ونسب مخاطرة عالية تصل في لبنان اليوم إلى ١٠٠%، فان الاستثمار مشروط بوجود بيئة حكومية حاضنة للشركات المستثمرة، كالتسهيلات الجمركية والقانونية، وذلك لتنظيم عمل الشركات وعلاقتها مع الدولة.

٦٠٠ مليار دولار في البحر!

وقبل أيام، نشرت مجموعة انونيموس رسالة صوتية إلى اللبنانيين بموضوع النفط في البلاد. وذكّرت بأنه منذ سنتين، انتشر خبر مفاده بأن لبنان لديه النفط. وهذا الإعلان كان من المفروض أن يكون الحل الجذري والسحري لمشاكل عدة يغطس فيها لبنان ومن بين هذه الأزمات: ديونه المتراكمة، وأزمة الكهرباء. وتابعت أنونيموس: آفاق اكتشاف النفط في المتوسط خلّفت آمالاً بمستقبل مزدهر. ولكن يبدو أن اللبنانيين ضحية إعلان مشبوه، فالحكومات في لبنان لديها تاريخ بالإدارة السيئة ويبدو أن ذلك انعكس على الموارد النفطية. وقالت: سنعطيكم بعض المعلومات التي لا تعرفونها أو أن حكوماتكم لا تريد أن تعرفوها، وهي:

- أولاً: إن عائدات لبنان الصافية من استخراج النفط قد تتخطى بسهولة 600 مليار دولار، وبذلك قد يفي بديونه وأكثر، سيساهم هذا المردود في ازدهار إقتصاد لبنان.

- ثانياً: لدى لبنان 96 تريليون متر مكعب من احتياط الغاز والعائدات الصافية من 865 مليون برميل من النفط والعائدات الصافية للحكومة تقدر بأكثر من 600 مليار دولار.

- ثالثاً: بعدما خرقنا قاعدة بيانات شركة بريطانية تبين أن اسرائيل تقوم بضخ 25 تريليون متر مكعب من النفط اللبناني.

- رابعاً: إن وعود العائدات من النفط والغاز تأتي فيما لبنان يتخبط في الصراعات اقتصادياً، جراء السياسات الدولية والإقليمية والشلل السياسي. وختمت المجموعة: أيها اللبنانيون، حان الوقت لكي تسألوا وزراءكم: لماذا تؤجّلون ضخّ النفط؟

لماذا الانتظار؟

ولكن، نفط لبنان وغازه يقبعان في باطن الأرض، في اليابسة والبحر، بلا أفق. ويعجز القيمون على السلطة حتى عن حلّ ابسط المسائل، فكيف لهم أن يتعاطوا بملف يوازي مئات المليارات من الدولارات؟

ثمة من يقول: لتبقَ هذه الثروة تحت الأرض، بدلاً من السطو عليها!

فالمسؤولون الذين يبتلعون كل ما فوق الأرض في لبنان سيتقاسمون ما يخرج أيضاً من باطنها، ولن يستفيد المواطن والاقتصاد إلا بجزء قليل جداً من الذهب الأسود!.

لكن آخرين يؤكدون أن التأخر يزيد الأضرار على الاقتصاد اللبناني. وهكذا يغرق اللبنانيون في بحر الفساد الوطني الكبير... ويختنقون بغازاته السامّة!

* صحافية لبنانية

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment