البنك الدولي يحذر: لبنان سيخسر نصف مليار دولار من القروض المسهَّلة

11/10/2015 - 11:04 AM

 

كتبت ميشلين أبي سلوم*

في الفترة الأخيرة تسارعت التحذيرات الدولية للبنان من مخاطر اقتصادية ومالية داهمة. وثمة مخاوف من لجوء مؤسسات تصنيف دولية إلى إعادة تقويم الواقع اللبناني سلباً، على غرار ما حذّرت منه مؤسسة ستاندرد إند بورز قبل أسابيع. وتلتقي هذه التحذيرات مع الدعوات التي يوجهها أركان الدولة في لبنان، ومنهم رئيس المجلس النيابي نبيه بري، من فقدان لبنان مكاسب مهمة هي من نصيبه لدى المؤسسات الدولية، كالقروض المقررة من البنك الدولي. وهناك حاجة ماسة لتحريك النشاط في المجلس النيابي ومجلس الوزراء كي يجري إقرار هذه المساعدات، وإلا فإنها ستسقط من جدول البنك.

خسر لبنان فرصاً اقتصادية هائلة

ففي السنوات الأخيرة، وبصورة خاصة، منذ أن ساد الفراغ موقع رئاسة الجمهورية بعد انتهاء عهد الرئيس ميشال سليمان في 25 أيار 2014، خسر لبنان فرصاً اقتصادية هائلة. ومنها مثلاً استكمال برنامج التنقيب عن الغاز في مياهه، والتلزيم وبدء الاستخراج، فيما بلدان المنطقة ولا سيما إسرائيل ذهبت بعيداً في استثمار الآبار الملاصقة أو المتداخلة مع الآبار اللبنانية. كما أن الشلل في المؤسسات يدعّم الركود الاقتصادي، بحيث لا يتوقع الخبراء نمواً في الاقتصاد اللبناني في العام الجاري أكثر من 0.5%. وهذا مستوى مثير للقلق. ومن هنا جاء التحذير الأخير للبنك الدولي، على لسان مديره الإقليمي فريد بلحاج الذي يعرف جيداً لبنان وأزماته.

فقد طمأن بلحاج إلى أنّ إزالة لبنان من مساعدات البنك غير مطروحة، لكنّه حذّر من أن هناك أكثر من مليار دولار على ذمّة الإقتصاد اللبناني، ويجدر التنبًّه إلى عدم ضياعها. ولذلك، دعا السياسيين اللبنانيين إلى تجنّب المشاكل التي لها وقع مباشر على الإقتصاد.

ولفت إلى أنّ البنك لم يُوجّه تهديداً بل رسالة للسياسيين مفادها أنّ المشاريع الموجودة اليوم على مائدة التفاوض قد تزول إذا لم تُقرّ، ومن أهمّ هذه المشاريع مشروع سدّ بسري الذي وصلت تمويلاته إلى أكثر من نصف مليار دولار، وهو سيُغذّي بالمياه أكثر من مليون وستمئة ألف مواطن لبناني، لكنه حذّر من أنّه إذا لم يجتمع المجلس النيابي ويقرّ المشروع قبل الحادي والثلاثين من كانون الأول المقبل، فإنّ لبنان سيخسر خمسمئة مليون دولار من التمويلات المسهَّلة .

مآزق لبنان المالية والاقتصادية والاجتماعية

ويكتسب تحذير بلحاج أهمية خاصة لأنه يعرف جيداً مآزق لبنان المالية والاقتصادية والاجتماعية. فهو عُيّن في 17 ايلول 2012 مديراً إقليمياً لمنطقة الشرق الأوسط في البنك الدولي، التي تشمل لبنان وسوريا والأردن والعراق وايران. وهو يدرك جيداً خصوصيات لبنان. فهل يتجاوب المعنيون وينقذوا لبنان من المأزق الذي يقترب يوماً بعد يوم؟

في تقدير بلحاج أن الوضع المالي والإقتصادي في لبنان ازداد صعوبة نتيجة تدفق النازحين السوريين، فهذه المسألة لها تأثير مباشر على الإقتصاد اللبناني. وأوضح أن البنك الدولي دخل في مشاريع مع الحكومة اللبنانية من خلال الصندوق الإئتماني المتعدد الجهات الذي وضعناه بالتعاون مع عدة جهات خارجية منها فرنسا والنروج وفنلندا. وسيدخل هذا الصندوق حيز التنفيذ وسنحاول من خلاله تمويل مشاريع هامة على مستوى البلديات والبنية التحتية والصحة والتربية. وهذا قسط صغير مما يحتاجه لبنان، والبنك الدولي سيعطي كل الدعم الممكن لهذا البلد لكي يتغلب على هذه الأزمة.

سلام أول المحذرين!

وكان رئيس الحكومة تمام سلام أول الذين حذروا من الإنهيار الكامل للبنان، عشية انطلاق مناقشات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وأبرز مؤشرات ذلك الإنهيار قد لا يكون سياسياً أو أمنياً بقدر ما قد يكون اقتصادياً- اجتماعياً، ونشهده غضباً اجتماعياً. وشدد على أن أحد المفاتيح الرئيسية لاستمرار نظامنا الديمقراطي في هذه المرحلة هو انتخاب رئيس الجمهورية، المرجعية التي ثبت على رغم الكثير من الكلام من بعض الفئات والمزايدات الداخلية السياسية، أن البلد من دونه لا يمكن أن ينجح. ودعا قادة الحراك المدني إلى الانفتاح على التحاور مع الحكومة للتوصل إلى حلول وآليات متوافق عليها.

مخارج ممكنة

وأما السبل إلى تقليص الأضرار الكارثية المتوقعة فربما تكمن, حسب ما أشار أحد المحللين الاقتصاديين, في استعادة مجلس الوزراء نشاطه والمبادرة إلى الآتي:

- أخذ قرار واضح في ما يخصّ النازحين السوريين المُتوقع وصولهم مع بدء العمل العسكري البرّي.

- أخذ القرارات اللازمة في ما يخص الكهرباء والمياه والنفايات وذلك عبر تخصيص إداراتها.

- الإسراع في إقرار مشروع الشراكة بين القطاع الخاص والعام لجلب الإستثمارات التي تعجز هي عن تأمينها.

- وضع سياسة ضريبية لتشجيع الإستثمارات وزيادة البرامج الخاصة لدعم قطاع الصناعة الرقمية والزراعة.

- وضع كوتا على عدد العمال الأجانب في لبنان، لأنّ عدم فِعل ذلك سيضرب الأمن القومي.

- وضع خطة منتظمة لمحاربة الفساد في الوزارات والمؤسسات كل على حدة، ودعم استقلالية القضاء لكي يتمّ وقف هذه الآفة الخطيرة.

- وضع خطة إنمائية للمناطق الحدودية لدعم النمو الاقتصادي وتنويع الماكينة الإنتاجية التي أصبحت تتعلق بالدرجة الأولى بالخدمات.

هل الأزمات مفتعلة؟

يتساءل كثيرون: هل هناك ترابط ما بين التأزم السياسي المتفاقم في لبنان والتأزم الاقتصادي والاجتماعي. وفي عبارة أشدّ دقّة: هل هناك من يخترع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية أو يساهم في تصعيدها خدمة لمشروعه السياسي؟

هذا السؤال يستدعي الظن بوجود نية خبيثة وراء الأزمات الاقتصادية والحياتية، وانعدام الفرص لحلها ما دامت مفتعلة، حتى بلوغ الحلول السياسية المراد الوصول إليها. ومن هنا، يقول بعض المطلعين، إن أزمة النفايات غير المسبوقة ليست ناتجة عن اختلاف حول المطامر والمكبات، ولا حتى عن اختلاف بين السياسيين على الحصص لأنهم غالباً ما يتقاسمون الجبنة بسهولة، بل هي ناتجة عن إرادة البعض بخلق أزمة خانقة شعبياً تزيد مستوى النقمة في الرأي العام إلى حدود عالية جداً، وتترافق مع تحركات جماهيرية، ما يؤدي إلى تحضير الساحة لانفجار معين، ينتهي بتسوية يحضّر لها البعض لتكون على قياسه الخاص، وثمرة الفوضى المدروسة.

ويتوقع بعض المطلعين أن تبرز الأزمات الاجتماعية في شكل مطَّرد خلال هذه الفترة، لتخدم المشروع السياسي التأزيمي. ويقول هؤلاء: إذا ظهرت ملامح حلحلة في ملف النفايات فسيتم إقفالها، وإذا فرضت الحلول نفسها وظهر المعرقلون على حقيقتهم، فسيضطرون إلى حلّ أزمة النفايات مكرهين، لكنهم سيفتحون أزمات إجتماعية واقتصادية بديلة لتؤدي الهدف المطلوب.

وهكذا، بات واضحاً أن المسار الذي يحرّك الأزمات كلها... من الفراغ في موقع الرئاسة الأولى إلى أزمة النفايات هو مسار واحد، مروراً بكل الأزمات الدستورية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية الأخرى. ويبدو أن المكتوب على لبنان أن يبقى غارقاً في أزماته الصغيرة حتى يأتي الحل الكبير في سوريا وسائر الشرق الأوسط.

وانطلاقاً من الأسئلة عن الجهة التي تفتعل الأزمات، هناك من يسأل أيضاً: هل لهذا السبب جرى تنفيس مفاعيل الحوار الشامل والحوار الثنائي بين المستقبل وحزب الله في عين التينة؟ فالحوار هو الباب الوحيد لمناقشة الأزمات كلها، في ظل شلل المؤسسات الرسمية. ومن هنا الهواجس التي عبرت عنها أوساط داخل 14 آذار، عما إذا كان تعطيل الحوار مقصوداً أيضاً لتعميم الشعور بالفشل. فالحوار ربما انطلق عن حسن نية، بمبادرة من الرئيس نبيه بري والنائب وليد جنبلاط ودعم من معظم 14 آذار. ولكنه بقي في المراوحة، ولم ينجز البند الأول، أي إنتخاب رئيس للجمهورية.

لكن مصدراً في 14 آذار يقول: ليس علينا الاستخفاف بمستتبعات الحوار، ولا الحراك الذي يرافقه في الشارع. فما الذي يمنع أن يصبح الحوار والحراك في لحظة معينة، أداة ضغط لتحقيق غايات سياسية. وفيما يعلن الرئيس بري أنه لن يوقف الحوار، ولو بقي متعثِّراً، فإن بعض القوى سيبقى مرابطاً على الطاولة، منتظراً اللحظة المناسبة لفرض التسوية التي يريدها، عندما تنضج ظروفها الإقليمية. وعندئذٍ، يصل الحوار والحراك معاً إلى نهايتيهما.

وفي رأي المصدر أن هناك من يضبط ساعة الحوار والحراك على الساعة السورية. وعندما تأتي الساعة سيفرج عن التسوية في لبنان. وسيكون ذلك موعده مع المؤتمر التأسيسي. وحتى ذلك الوقت، سيكون الحوار لإضاعة الوقت والحدّ من الخسائر. وفي اللحظة المناسبة، سيُغيِّر البعض نهجه الهادئ والمنفتح، ويمارس ضغطاً هائلاً لإنجاز التسوية التي يريدها. وعندئذٍ، سيكون الشارع رهن يديه. وكذلك طاولة الحوار.

ففي الشارع، يكون الجميع قد أصيب بالإنهاك: المشاركون بالحراك المدني وقوى الأمن والناس وأصحاب المصالح الاقتصادية في بيروت. وفي الحوار، يكون المشاركون قد تعبوا وضجروا من المناكفات العديمة الجدوى. وفي هذه الحال، ستكون فرصة لدى بعض الأطراف لرفع درجة السخونة في الشارع وعلى الطاولة معاً. وما يقوم به بعض الشبان ذوو الرؤوس الحامية في الحراك المدني من مواجهات مع القوى الأمنية، ربما يكون عن قصد أو غير قصد منهم، مدخلاً إلى المرحلة اللاحقة.

لذلك، لا يخفي المصدر في 14 آذار قلقه من الآتي. ويسأل: أليس هذا السيناريو هو الذي قاد إلى 7 أيار 2008 بعد اعتصامات خانقة في وسط بيروت، وانتهى بتسوية الدوحة؟ فالضغط المطلوب في الشارع سيكون مجرد حصان يركبه البعض في اللحظة المناسبة. فمتى تأتي هذه اللحظة؟

* صحافية لبنانية

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment